الجزيرة نت - مباراة مصر ضد البرازيل قناه الحدث - العربية تستطلع آراء اللبنانيين حول إعلان وقف إطلاق النار CNN بالعربية - وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نووية أمريكية التلفزيون العربي - لقاح ابتُكر بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي.. ماذا قيل عن فاعليته؟ الجزيرة نت - لماذا تؤيد أوروبا دعوة زيلينسكي للمفاوضات المباشرة مع بوتين؟ الليوان - تقرير عن مسرحية "ليلة عسل" ولقاء مع الأبطال روسيا اليوم - شاهد.. محاولة فاشلة لإقامة نصب تذكاري لـ "مانديلا الفلسطيني" وسط لندن روسيا اليوم - سياح إسرائيليون يواجهون صيحات استهجان لدى وصول سفينتهم إلى اليونان روسيا اليوم - "نحن في وضع كارثي".. تظاهرة نسائية في عدن تندد بتردي الخدمات وسط أزمة معيشية متفاقمة قناة الغد - ضربة موجعة للنشامى.. الإصابة تُبعد المهاجم إبراهيم صبرة عن كأس العالم
عامة

ما الذي تبقّى من الحب؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 أشهر
1

«ربما ليس في الأرض حب غير ذاك الذي نتخيّل أنّا سنحظى به ذات يوم»، بقدر ما تبدو مقولة أدونيس هذه جارحة وقاسية على القلوب التي لا تزال تؤمن بالحب، بقدر ما تعبر بدقة عن مفارقة عصرنا، إذ لم يكن الحب يوماً...

ملخص مرصد
يتناول المقال التحولات التي طرأت على مفهوم الحب في العصر الحديث، حيث أصبح محاطاً بالوعود والاستيهامات لكنه هش ومستحيل في الوقت نفسه. يناقش كيف حولت الرأسمالية الحب من حدث صادم يقلب حياة الفرد إلى سلعة آمنة خالية من المجازفة، وكيف أصبحت الرغبة مصدراً للتسويق النفسي المستمر.
  • الحب في العصر الحديث تحول من عاطفة شخصية إلى تجربة مركزية في ثقافة الحداثة
  • الرأسمالية حولت الحب من (حدث/صدمة) إلى (رومانسية/سلعة) آمنة خالية من المخاطرة
  • الحب الحقيقي يتطلب الانكشاف على النقص والإرباك، بعكس الرومانسية التي تحول الحبيب إلى موضوع يمكن امتلاكه
من: الفلاسفة والنقاد مثل أدونيس وآلان باديو وتود ماكغوان وجاك لاكان وزيغمونت باومان

«ربما ليس في الأرض حب غير ذاك الذي نتخيّل أنّا سنحظى به ذات يوم»، بقدر ما تبدو مقولة أدونيس هذه جارحة وقاسية على القلوب التي لا تزال تؤمن بالحب، بقدر ما تعبر بدقة عن مفارقة عصرنا، إذ لم يكن الحب يوماً محاطاً بكل هذا الوعد والاستيهام، كما هو اليوم، ولم يكن في الوقت نفسه هشّاً ومستحيلاً إلى هذا الحد.

فخلال القرون الأخيرة تغيّرت الأطر التي حملت الحب، تبدلت لغته وصوره ومخيّلاته، حتى صار حاضراً في وعينا أكثر من أي وقت مضى، وغائباً في خبرتنا بالقدر نفسه، فلم يعد مجرد عاطفة شخصية، وإنما تجربة مركزية في ثقافة الحداثة، تتقاطع فيها الحرية الفردية مع التحوّلات الفكرية والاقتصادية الكبرى.

تهيمن في الثقافة السائدة اليوم عن الحب لغة مثقلة بمفاهيم العلاج النفسي، التي تفترض أن الحب لا بد أن يكون استثماراً جيداً للذات، تنمو عبره وتتحقق، وأن أي خسارة محتملة من جراء علاقة عاطفية هي تهديد وإنذار يستلزم الانسحاب للذاتية الحديثة، التي تنفر في طبيعتها من الخسارة.

بيد أن هذا التصور بعيد كل البعد عن الحب في حقيقته.

تناول العديد من الفلاسفة من أفلاطون إلى آلان باديو، الطبيعة التخريبية للحب والاضطراب الذي يدخله على حياتنا.

في كتابه «في مدح الحب» يرفع باديو الحب إلى مرتبة الحدث الفلسفي، واضعاً إياه جنباً إلى جنب مع السياسة والفن والعلم، مع ما يسميها إجراءات الحقيقة الأربعة.

وهو لا يفعل ذلك بالطبع لأن الحب عاطفة مؤمّنة، مربحة، بل على العكس تماماً؛ إن كان باديو يعتبر عاطفة شخصية مساوية في أهميتها للأحداث الكبرى السياسية والفنية والعلمية التي تؤثر على العالم بأسره، أو تغير تاريخ الإنسانية بأكمله، إنما يفعل ذلك لما للحب من قدرة على زعزعة الحياة اليومية للأفراد، وإرباك الذات في العمق.

ففي الحب تفقد الذات احداثياتها، تهتز ثوابتها، تنقلب حياتها رأساً على عقب، وتعيد كتابة تاريخها.

تنجز الرأسمالية في ميدان العاطفة، كما يقول الفيلسوف الأمريكي تود ماكغوان، وظيفة أساسية تتلخص في تفريغ هذا البعد للحب من معناه، بنزع صدمة الحب وتحويله إلى تجربة آمنة خالية من المخاطرة وبالتالي تحويله إلى سلعة.

تتكشف هذه العملية في بنية المواعدة المعاصرة مثل شبكات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المواعدة التي تسمح باستعراض الأحبة المحتملين تماماً كما تُستعرض السلع بحيث يمكن مقارنة ميزاتها وتفضيل بعضها على بعض، حسب الذوق الشخصي.

وبذلك تحول الرأسمالية الحب من (حدث/ صدمة) يقلب حياة الفرد، إلى مركز تثبيت لها (رومانسية/ سلعة) مهددة بذلك أن يخسر الإنسان إحدى أهم تجارب حياته الوجودية.

المفارقة هنا أن التهديد الذي يواجه الحب لا يأتي من قوى القمع التقليدية التاريخية، وإنما من الدعاية الرأسمالية/ الرومانسية نفسها، التي تروّج للحب الآمن الذي لا ينطوي على المجازفة، وهذا ما دفع باديو إلى تسميته بـ»التهديد الآمن».

ولا يقتصر الأمر في الحقيقة على إعادة تشكيل الإطار الاجتماعي للحب، بل تتسلل الرأسمالية إلى الداخل النفسي، إلى بنية الرغبة نفسها محولة إياها إلى مصدر استيهام وتسويق نفسي مستمر.

الرغبة، كما يصورها المحلل الفرنسي جاك لاكان، موضوع مفقود في الأصل، أي ليست موضوعاً بعينه يمكن امتلاكه أو إشباعه، فالذات تتحرك بفعل نقص بنيوي أصيل، لا يسد أبداً وكأنها فراغ يهفو إلى الامتلاء.

وموضوع رغبتها يتجاوز ما تريده هي، إلى ما يريده الآخر منها، أي أنها تريد رغبة الآخر.

ولهذا فإن الرغبة لا تجد إشباعها أبداً مهما بدلت موضوعاتها إلا في الحب.

فإن كان الحب يبدأ بالرغبة مثله في ذلك مثل الرومانسية، غير أن حركته تتجاوزها.

فالمحب يجد في الحبيب إشباعاً لرغبته، ولكنه إشباع يأتي من الانكشاف على النقص نفسه ومن الإرباك الذي يتركه فيه المحب.

يقول لاكان: «الحب هو أن تعطي ما لا تملكه لمن لا يريده»، وهذا الذي لا يملكه المحب ومع ذلك يمكنه إعطاءه هو الفقد بحد ذاته، نقصه الوجودي، أن يتقدم به للآخر ويجعله شاهداً عليه.

وإن كنت تحب في الآخر شيئاً لا يملكه هذا الآخر أصلاً، فإنك لا تستطيع أن تمتلك الآخر، على عكس الرومانسية التي تحول الحبيب إلى موضوع يمكن امتلاكه، وبالتالي تُبقي الحب في نطاق الرغبات سريعة التحقق الخالية من المعاناة والمجازفة والألم.

وقد يكون تصور زيغمونت باومان في هذا الصدد الأكثر راديكالية، إذ يرى أن الرغبة تنطوي على توتر وإرجاء ومخاطرة وندرة، بينما ما تفعله الرأسمالية في الحقيقة هو انحدار بالرغبة إلى مستوى الأمنية Wish، أي إلى مستوى الوفرة التسويقية للموضوعات التي لا تتطلب جهداً، ولا تنطوي على ألم، لكنها تظل بلا عمق ولا معنى.

بهذا، تتحوّل الرغبة غير القابلة للإشباع، إلى محرك لا ينضب لاقتصاد عاطفي يعد بالامتلاء، أي أنها صارت ممأسسة ومعالجة داخل شروط الرأسمالية المتأخرة، فيصير الموضوع المفقود، الذي يستحيل امتلاكه عرضة للاستيهام المستمر، ولكن على نحو يبقينا أوفياء لمنطق الرأسمالية القائم على المراكمة والاستهلاك بلا نهاية.

لكن قبل فهم الكيفية التي دمجت بها الرأسمالية الحب في منطقها، يجدر بنا أن نعود خطوة إلى الوراء لنتبين كيف منحت الحداثة الحب هذه المكانة المركزية في حياة الأفراد في المقام الأول.

في كتابها «نهاية الحب» الذي يعد بحثاً موسعاً في الطريقة التي غيرت بها قيم الحداثة والرأسمالية حياتنا العاطفية، تبيّن إيفا إيلوز أن تاريخ الحب في الغرب، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحداثة، أي بتاريخ الحرية والاستقلالية الفردية.

ففي المجتمعات التقليدية، ومنها الأوروبية، كانت القيم الدينية والأسرية هي التي تحدد طبيعة العلاقات، أو عقود الزواج، أما قصص الحب فكانت في الغالب هامشية.

ومع صعود الحداثة والثورات الفكرية والسياسية منذ القرن الثامن عشر، بدأت تظهر مطالب في حق الفرد في التعبير عن عواطفه، واختيار شريك الحياة بحرية.

غيّر هذا التحول وظيفة الزواج وسلطة المؤسسات التقليدية، وأعاد تشكيل الحياة العاطفية للأفراد على حد سواء.

إذ أصبحت العاطفة نفسها مجالاً للحرية الفردية، وصار الحب تعبيراً عن الاستقلالية الذاتية.

وساهمت الثقافة الحديثة من الرواية إلى السينما، في تغذية هذا الخيال العاطفي، وقدّمته كتجربة تكشف هوية الفرد وعمق حياته الوجدانية.

وقد حملت الثورة الجنسية منذ ستينيات القرن العشرين هذا التحول إلى ذروته، منذرة بذلك بتحقق ما يمكن تسميته بالحداثة العاطفية: تحرر الجسد من سلطة الكنيسة والدولة، وصار الفرد يملك جسده وعواطفه، كما يمتلك ممتلكاته الأخرى، وصار من حقه إقامة علاقات جنسية من اختياره.

هذا الانفصال عن البنى التقليدية جعل العلاقات الحديثة علاقات سلبية قائمة على منطق تعاقدي هش، بقدر ما هي مبنية على الحرية وحق الاختيار، بقدر ما هي مفتوحة على إمكانية الاستبدال أو الانفصال.

الاختيار نفسه تحول أيضاً في الأنظمة الليبرالية الحديثة من حق للفرد إلى عبء أيديولوجي.

فإن تمتلك ذاتاً حديثة يعني أن تختار على الدوام، سواء بين السلع وأنماط الحياة، أو حتى في المجال العاطفي أو الجنسي.

إنه أفق واسع جداً تستطيع فيه الذات أن تختار حتى جنسها وكيف تريد أن يتم التعريف بها، كما تختار بين الذوات المعروضة في سوق الرأسمالية المرئية، حيث يُستثمر في الجسد والجاذبية الجنسية، مما يجعل التعلق بشخص واحد وتفريده، من بين وفرة الخيارات المتاحة أمراً في غاية الصعوبة.

هنا، يولد اللايقين الأنطولوجي الذي يميز حياتنا العاطفية الحديثة بوصفه ظاهرة سوسيولوجية حديثة، تتجاوز الأزمات السيكولوجية الفردية، إذ تصير الحرية مصدر قلق بنيوي، ويغدو الاختيار مصدراً للضغط، ويُختزل الحب نفسه إلى فعل الاختيار الذي تحكمه رغبة مترددة، تتراوح بين التّقرب والحيرة، والصد والنبذ وفق منطق السوق.

يضع هذا الإطار العلاقات في تناقض بنيوي، بين السعي إلى تأكيد الذات وحماية استقلاليتها من ناحية، والرغبة في الارتباط والحميمية من ناحية أخرى.

والنتيجة هي ذاتية مفرطة تنفر من الخسارة وتعيش تحت وطأة القلق واللايقين، مما يجعلها تطور استراتيجيات دفاعية نفسية لتجنب الأذى العاطفي، من تنّبه مفرط لعلامات الرفض إلى انسحابات سريعة.

وهكذا، يغدو عدم الاختيار نفسه استراتيجية لحفظ قيمة الذات، وتُستنزف الذاتية الحديثة في إدارة أخطار الحب وخسائره، وفي التنقل بين علاقات غير مستقرة، علاقات تفقد السردية والاستمرارية والاعتراف المتبادل، لأنها محكومة بمنطق السوق والاختيار الدائم بدل أن تنتظم في أطر اجتماعية وقيمية ثابتة.

أخيراً، إن كانت الحداثة قد جعلت من الحب ظاهرة اجتماعية إلى الحد الذي تبدو فيه وكأنها اخترعته، فإنها في الوقت نفسه نزعت عنه براءته وسحره، لتقدم لنا عوضاً عن ذلك وصفة لشيء محدد، معلوم، مربح وغير مربك، وتريد مع ذلك أن تقنعنا بأن هذا ما يزال حباً.

وربما لم يعد ممكناً أن نعيد للحب سحره كما كان، وقد يكون محتوماً علينا أن نعيد ابتكاره من جديد كما يقول باديو.

غير أن الحب الذي ما زال يستحق الدفاع عنه هو الحب المُكلف، الذي لا يعطينا ما يمكن مراكمته.

الحب الذي يقول فيه مظفر النواب: «يا مامش بمامش/ طبع قلبي وأطباعك ذهب/ ترخص وأغليك وأحبك».

هذا الحب الذي يرى القيمة في جوهر الحبيب ذاته، بعيداً عن قيمته ومكانته في عيون الآخرين، قد يكون في عصرنا هذا أحد أهم الأفعال ثورية على الإطلاق.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك