بَدَأت الأصوات تتعالى وتصاعدت الدعوات لعودة السودانيين إلى بلادهم، وانتشرت المقاطع المصوّرة المُوحِية باستعادةِ الحياة لعافيتها، مُغطِّيةً على واقعٍ أكثرُ ظلمةً وتعقيد.
إذ ما يزال المواطنون يتعرَّضون للقتل والنهب والاغتصاب والإذلال والإفقارِ/التجويع، سواء في الأراضي التي تحت سيطرة البرهان/حميدتي، أو في الأراضي المُحتلَّة من الدول المُجاورة (الشقيقة)، مع صعوبة العودة إلى المنازل المُحْتَلَّة/المنهوبة والمُدَمَّرة! وتتمثَّل المُصيبة الكُبرى في انقسام السُّودانيين بين البرهان وحميدتي، وحُلفائهما القحتيُّون (بأسمائهم المُتكاثِرة/المُتَبَدِّلَة)، وانتهازيي الحركات المُسلَّحة، مما يجعل الحديث عن (العودة الطبيعيَّة) استمرارٌ للمآسي، وإغفالٌ للمخاطر التي يجب التنبيه إليها.
من غفلاتنا الاعتقا بسقوط المتأسلمين، الذين انسحبوا تكتيكياً، وأعادوا التموضع، وأداروا المشهد من خلف الستار، عبر أذرعهم (البرهان/حميدتي) وحُلفائهما القحتيين وما يُسمَّى حركات مُسلَّحة.
أمَّا الحراك الشعبي الذي انطلق من الأقاليم في ديسمبر 2018، فقد كان قابلاً لاقتلاع المُتأسلمين من الجذور، لولا الالتفاف عليه وتخفيض سقفه من (الإسقاط الكامل) إلى (التفاوض)، عبر تَحَالُفات (المهنيين/القحتيين)، الذين قفزوا فوق الثورة (بلا تفويضٍ شعبيٍ) واضح، وعَقدوا اللقاءات المُنفردة/المُظلِمَة، فتَرَاجَعَت مَوْجَةُ الشارع، وتَحَوَّلَت الثورة من زخمٍ وطني شامل إلى مساحةٍ (مُحَاصَرة)، مما ساهم في تقوية المنظومة الإسْلَامَوِيَّة وإعادة إنتاجها بثوبٍ جديد.
!
تجربةُ القحتيين التنفيذيَّة عَمَّقت أزماتنا: تَضَخُّمٌ إداري، تعييناتٌ بلا معاييرٍ شفَّافة، تعطيلٌ لإصلاح الخدمة المَدَنِّيَّة، إخفاقٌ في إعادة المفصولين تعسُّفياً، ومُحاسباتٌ شكليَّةٌ لرموز المُتأسمين، وتلكُّؤٌ في تفكيك التمكين الإسْلَامَوي، و(إعادةٌ) لتدويرهم وتقويتهم.
ثُمَّ ساهموا مع المُتأسلمين وأذيالهم (البرهان/حميدتي) في صناعة الحرب الماثلة، وتعزيز سيطرتهم الكاملة على مفاصل الثروة والسِّلاحِ والإعلام، وتركوا الشعبُ للفقرِ والتشريدِ والانهيار.
بخلاف ذلك، توجد مجموعة من التهديدات الوُجُودِيَّة المُتزايدة، كاستفحال التجنيس وتغيير التركيبة السُّكَّانِيَّة، والانهيار الاقتصادي الهيكلي الذي لا يُعالَجْ بالقروض، وإنَّما بالإنتاج الحقيقي القادر على المُنافسة العالمِيَّة، فضلاً عن الآثار البيئيَّة والصِحِّيَّة التي خَلَّفتها الحرب، وتَصَاعُد الاصطفاف القَبَلي/الجِهَوي، واختراقات دول الجوار المُتواصلة للسيادة (احتلال الأراضي، ابتلاع الموانئ والموارد وغيره).
وهذه المُعطياتُ ليست مُجرَّد أزمات مُتفرِّقة؛ وإنَّما شبكة اختناقٍ كاملة، وتجعل ما بعد الحرب تقرير مصير حقيقي، وليس مُجرَّد مرحلة انتقالِيَّة عابرة، نَرْتِهِنُ فيها لذاتِ الوجوه ولـ(تسوياتهم) التي تقودنا للتلاشي والحَتْف المُؤكَّد.
!
إنَّنا بحاجةٍ ماسَّة و(حتميَّة) لمشروعٍ وطنيٍ تَعْبَويٍ واضحِ المعالم، يقوم على أربعة مُرتكزات أساسيَّة دون مساومة:
القطيعة الكاملة لمنظومة المتأسلمين وأذرعهم، مَدَنِيَّةً كانت أو عسكريَّة، ورفض إعادة تدويرهم تحت أي مُسمَّى.
تأسيس كيان شعبي عريض، يقوم على المَواطَنة (الأصيلة) والعدالة وسيادة القانون، لا على المُحاصصة والولاءات الضيقة.
اختيار قيادة وطنيَّة غير مُجرَّبة، من القواعد الشعبِيَّة (الحقيقيَّة) لا من صفقات الغُرَف المُغلقة، قيادة نزيهة وصادقة، وذات رؤية استراتيجية وبرامج (مُعْلَنَة) ومُحدَّدة زمنياً.
o تفكيك بنية الفساد وتمكين القضاء المُسْتَقِل.
o إصلاح مُؤسَّسي شامل للخدمة المدنِيَّة والقُوَّات النظامية على أسسٍ مِهَنِيَّة وأخلاقِيَّة/إنسانِيَّة وقانونِيَّةٍ سليمة.
o مُراجعة ملفات التجنيس والأراضي والاتفاقيات السياديَّة منذ 1989 وحتَّى الآن.
o إطلاق مشروع إنتاج وطني يعتمد على الموارد الذاتِيَّة دون الارتهان للخارج.
هذه ليست شعارات تعبئة عاطِفِيَّة، وإنَّما خطوط اشتباك سياسي وأخلاقي، تحتاجُ لأن نَتَوَحَّد حولها، حتَّى نحفظ أجيالنا القادمة من التشرذُمِ والضياع.
ولنُدرك بأنَّ البرهان/حميدتي وأذيالهم لن يبنوا دولتنا القانونِيَّة والأخلاقِيَّة والإنسانِيَّة المأمولة، لأنَّ وجودهم قائمٌ على نقيضها، واستمرارُ التعويل عليهم هو تدويرٌ للخرابِ والفناء، وعلينا تحويل الوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعلٍ منضبطٍ وواسع.
وهذا لا يتعارض مع العودة للديار، بل العكس، ولكنَّ هذه العودة تحتاجُ لتدابير حتميَّة، فما بعد الحرب ليس هدنةً عابرةً أو ظرفِيَّة للحياة، بل لحظةُ فرزٍ وجودي، تبعاً للتهديدات المصيريَّة المُحيطة بنا، والتي صَنَعتها ذات القِوَى التي تتنازع الآن على (جماجمنا).
لا تُوجَد منطقة وسطى بين التَحَرُّرِ والانحدار، ونجاتنا (بعد لطف الله) تكون باتحادٍ شعبيٍّ واع، يقتلع جذور مَنْ دَمَّروا الدولة، وليس البقاء كـ(وقودٍ) لصراعاتهم، أو جمهوراً يُصفّق لهذا أو ذاك.
لذلك، نحن مُطَالَبون بـ(كَسْرِ) دائرة الارتهان للبرهان وحميدتي وحلفائهما القحتيين وما يُسمَّى حركات، لكي لا نحصد (نُسَخاً) أكثر وحشِيَّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك