الجزيرة نت - مباشر مباراة العراق ضد إسبانيا الودية استعداد لكأس العالم 2026 Euronews عــربي - باريس: أعمال ترميم في "كهف بون نوف" وتأجيل الافتتاح لأجل غير مسمى قناه الحدث - لاجئون أفغان: الشرطة الإيرانية تبتزنا قبل الوصول للحدود القدس العربي - السودان: إضرابات المعلمين تتمدد… وانتقادات لمعالجات الحكومة DW عربية - بـ 64 مليون بعوضة .. حرب غوغل على الزاعجة المصرية! العربية نت - منع الجماهير من استخدام "زجاجات المياه" في كأس العالم روسيا اليوم - روسيا والسعودية توقعان مذكرة تعاون لحماية البيئة والتنوع الحيوي التلفزيون العربي - ملعب أزتيكا.. ذاكرة مارادونا وافتتاح مونديال 2026 الليوان - عناد زمرد يشعل نار الغيرة في قلب سرحات وكالة الأناضول - الجيش اللبناني يدخل بلدة دبين إثر انسحاب إسرائيل ويعيد فتح طريقا
عامة

انتربولوجية الحرب في المخيال الفني المغربي بين الرقصات الحربية وسربات التبوريدة

العمق المغربي
العمق المغربي منذ 3 أشهر
4

تتميز ثقافة كل الشعوب باشتمالها على مجموعة من الرقصات الحربية، فهناك رقصات حرربية إغريقية عرفت برقصة “بيريكيوس” كرقصة سلاح وتدريب حربي في العصور القديمة و رقصات السيف في أوروبا و، رقصات الحرب للقبائل ...

ملخص مرصد
تتميز ثقافة الشعوب بالرقصات الحربية التي تعبر عن القوة والشجاعة والتماسك الاجتماعي. في المغرب، تعد رقصة تاسكيوين بالأطلس الكبير ورقصات التبوريدة من أبرز التعبيرات الفنية المرتبطة بالحرب والفروسية، حيث تعكس عمق التاريخ السياسي والعسكري للمملكة.
  • رقصة تاسكيوين بالأطلس الكبير تعود جذورها للتاريخ القبلي الأمازيغي وترتبط باستخدام البارود والأسلحة النارية.
  • التبوريدة تعد من أقدم فنون الفروسية بالمغرب وسجلتها اليونسكو كتراث لامادي عام 2021.
  • التبوريدة تشمل كل أرجاء المملكة ولا تقتصر على جنس معين، حيث توجد فرق نسائية تمارسها بذات القوة والدقة.
من: الشعوب المغربية والقبائل الأمازيغية أين: المغرب، خاصة الأطلس الكبير وسوس

تتميز ثقافة كل الشعوب باشتمالها على مجموعة من الرقصات الحربية، فهناك رقصات حرربية إغريقية عرفت برقصة “بيريكيوس” كرقصة سلاح وتدريب حربي في العصور القديمة و رقصات السيف في أوروبا و، رقصات الحرب للقبائل الأمريكية.

كما تعد الرقصات الحربية الأفريقية تعبيراً ثقافياً عريقاً يجسد القوة، والشجاعة، ووحدة الصف، وتاريخ القبائل، حيث يؤديها المحاربون تقليدياً لاستعراض مهاراتهم القتالية، وإرهاب الأعداء معنوياً، أو الاحتفال بالانتصارات.

ومن أبرزها رقصة “إندلامو” للزولو التي تعتبر من أشهر الرقصات الحربية بجنوب أفريقيا يؤديها المحاربون بملابس تقليدية، وتتميز بالركلات العالية، والدوس القوي على الأرض، وحركات جماعية متزامنة في صفوف الراقصين تعبر عن التماسك والقوة.

كما أن هناك رقصات المحاربين تدعى زاولي بساحل العاج تستخدم أقنعة خاصة في رقصها الحربي.

وبالنسبة للمغرب، فإن أي قراءة متمعنة للحرب كظاهرة التصقت بالتاريخ السياسي للمغرب ستؤكد بأن الحرب ارتبطت في المخيال الفني للمغاربة برقصات حربية أو بسربات التبوريدةولعلة البارود وصهيل الخيل.

تتميز الرقصات الحربية بالمغرب بتراث غني يجسد قيم الشجاعة والتماسك الاجتماعي، وتعد رقصة “تاسكيوين” بالأطلس الكبير -المصنفة تراثاً لليونسكو- أشهرها، حيث تعتمد على هز الأكتاف والدوس بالأقدام.

وتشمل أيضاً “الركادة” بالشرق، و”أحيدوس” و”أحواش” التي تحاكي حركات المحاربين.

– رقصة تاسكوين وتمجيد محاربي القبيلة.

تعود الجذور التاريخية لرقصة تاسكيوين بالمغرب إلى عمق التاريخ القبلي الأمازيغي، حيث ارتبطت بتحولات ديموغرافية داخلية وتدخلات خارجية تمثلت في غارات برتغالية، وانتشرت بقوة مع دخول السلاح الناري في القرن 16م.

وتعتبر رقصة تاسكيوين من الرقصات الجماعية الفريدة والأصيلة في المجال الجغرافي والتاريخي المصمودي (الشّلحي)، التي تنفرد بها قبائل أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي، وخاصة قبائل: دمسيرة (إيندمسيرن) وسكساوة (إيسكساوان) وكدميوة (إيكدميون) بأعالي السفح الشمالي للأطلس الكبير الغربي، وإيداوزدّاغ (زداغة) وإيمنتاكن ( منتاكة) وإيركيتن (هركيتة) وأيت تيكوكا (أهل تيكوكا) وإيمدلاون (مدلاوة) وإداو كايس ( هكايسة) وأيت سامك (سامكة) وإداو محمود (محمودة) وأيت إيزيمر (زيمّيرة) في أعالي السفح الجنوبي للأطلس الكبير.

وتكشف المصادر التاريخية، أن كلّ هذه القبائل تنحدر من اتحاديتين قبليتين كبيرتين، معروفتين خلال الفترة الممتدة ما بين القرن 10 و16م، حيث كان لهما شأن كبير ودور عظيم في تأسيس الحكم الموحدي.

وهاتان الإتحاديتان هما اتحادية كنفيسة واتحادية كدميوة.

كما تُبَين المعطيات الإثنوغرافية أن هذه الرقصة تتمّيز عن غيرها من أنماط رقصات أحواش بكونها رقصة حربية بامتيّاز، سواء من حيث اسمها “تاسكيوين”، – جمع تيسْكْتْ، وهي القرن أو القرنة بالتحديد، التي يحمل فيها المقاتلون ذخيرتهم من مادة البارود، وكانت تُرْبَطُ بالكتف، مما يبيّن أن الرقصة نشأت في مجتمع قبلي يستعمل البارود و الأسلحة النّارية في حروبه- أو من حيث مكوناتها الفنية وحركاتها “الكوريغرافية” وإيقاعاتها الموسيقية، مما يكشف عن الأدوار الاجتماعية والعسكرية والثقافية، التي كانت تؤديها هذه الرقصة، في أوساط مجتمع مصامدة أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي، إلى جانب وظيفتها الفُرجوية والفنية والاحتفالية في التعبير والترفيه والتّسلية والبهجة والفرح، التي احتفظت بها إلى الآن، بعدما استنفدت كلّ أدوارها العسكرية والسياسية والاجتماعية في المساهمة بشكل فعّال في تعبئة القبائل سياسيا وعسكريا، وبعث الحماس فيها للدفاع عن أرضها ومواردها الطبيعية والاقتصادية، وتقوية مشاعر الأخوّة والنصرة والتضامن والانتماء إلى الأحلاف القبلية.

وقد نشأت رقصة تاسكيوين، باعتبارها رقصة حربية ونمطا خاصا من رقصات أحواش، وظهرت على هامش أحواش بالقبائل المشار إليها، في إطار الصراع المرير بين الأحلاف القبلية (أو ما كان ينعت باللفوف)، التي انتظمت فيها مختلف الوحدات القبلية في هذه المنطقة، حيث اخترق ذلك الصراع اللّفي كل البنيات القبيلة في الأطلس الكبير وعلى كل مستوياتها.

وقد ظهرت هذه اللفوف بهذه المناطق الجبلية في سياق تاريخي وفي ظل ظروف اجتماعية تميّزت بالتحوّلات العميقة التي عرفتها المنطقة منذ انطلاق الدعوة الموحدية منها وتَحوُّلها إلى دولة ثم امبراطورية، وما كلّف ذلك المنطقة من استنزاف للعنصر البشري لهذه الاتحاديات القبلية الكبرى في جيوش نظام الحكم الموحدي وأجهزته الإدارية، لتتعرّض بعد ذلك لحصار خانق طيلة العهد المريني، بعد انهيار الإمبراطورية الموحدية وسقوط عاصمتها مدينة مرّاكش في يد بنو مرين في سنة 1269م.

وإذا كانت الاتحاديات القبلية المصمودية السّبع، ومنها بالطبع كنفيسة وكدميوة، التي تحمّلت عبء الدعوة والدّولة الموحديّتين، قد تعرضت لاستنزاف طاقاتها البشرية في تزويد الموحدين بالجيوش والأطر الإدارية، لأكثر من قرن من الزّمن، فإنّ ذلك قد سارع في تَحَلُّلِ وخُفوت وخُمود عصبياتها كاتحاديات، وأدى إلى تفكّكها، وصعود وحداتها الصغرى (البطون) على مسرح الأحداث، فصارت هذه البطون قبائل مستقلة في عهد سلاطين بني مرين، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في معرض تفسيره لتَحَلُّل وتَفَكَّك اتحادية “كنفيسة” وظهور قبيلة سكساوة، باعتبارها أحد البطون الكبيرة القوية في اتحادية “كنفيسة” لِتَبْرُزَ على مسرح الأحداث وفي المصادر التاريخية في عهد بني مرين، حيث تحوّلت سكساوة إلى قاعدة لتشكيل إمارة مستقلّة عن الحكم المريني، وهي إمارة ” أيت حدّو يوسف” السكسيوية، التي حمل زعماءها ألقاب الملوك (أكليد).

وكان للجوء أبو دبّوس آخر سلاطين الموحدين قبل مقتله إلى الإحتماء بمعقل أسلافه بجبل درن (الأطلس الكبير الغربي) دورا كبيرا في جعل هذه القبائل دائمة الثورة والتمرّد وملجئا لكلّ الثوار القائمين على سلاطين بني مرين فصارت هذه القبائل خارجة عن سيطرتهم، مما دفع بكل سلاطينهم إلى نهج سياسة الحصار الإقتصادي على قبائل هذه الجبال، من خلال بناء مجموعة من الحصون والقِلاع على الممرات الجبلية، لمنعها من الإنتجاع إلى مجالاتها السهلية.

حيث ساهم هذا الحصار الاقتصادي المريني في فكّ الارتباط بين قبائل مصامدة الجبل من جهة، وامتداداتها البشرية السهلية من جهة ثانية، لتتحوّل هذه الأخيرة تدريجيا إلى قبائل مستقلّة عن أصولها الجبلية، حيث تمّ فكّ الارتباط بين شيشاوة وأصلها التاريخي قبيلة سكساوة، ممّا شكّل بداية للظهور التدريجي لقبيلة جديدة تحمل اسم مدينة شوشاوة التاريخية، وفُصِلتْ انفيفة عن أصلها الجبلي بدمسيرة لتحمل اسم المدينة التي كانت في مجالها الترابي “أفّيفن”، فشكّلت بذلك نواة قبيلة انفيفة الحالية، وفُصِلَتْ أفخاذ: مزوضة وفروكة وكماسة عن القبيلة الأم كدميوة في الجبل، لتصير قبائل مستقلة.

ولعل ظروف الحصار والمواجهة هذه التي فرضها سلاطين بني مرين على قبائل جبل درن لما يقرب من قرنين من الزمن، قد جعلت هذه القبائل في حال تحفّز وطوارئ واستعداد عسكري دائم، مما وفّر الأرضية المناسبة لانعكاس هذا النفس الحربي في كل عاداتها الثقافية وأنماطها الفنية.

فرقصة تاسكيوين، من خلال اسمها مرتبطة باستعمال مادة البارود في الحروب، على اعتبار أن تلك الـ”تيسْكْتْ” أو القرنة ليست في الحقيقة إلا وِعاء وأداة أو إناء لحمل ونقل مادة البارود، الذي يُخزّنُ في “أعْلاوْ نْ البارود”، قبل توزيعه في البنادق و”تاسكيوين”.

فمنذ بداية العصر الحديث وانتشار الأسلحة النّارية، كان هناك حرص كبير لدى كل القبائل ورجالاتها على امتلاك هذه الأسلحة النارية وذخيرتها (البارود)، لِما أبانَتْ عنه من فعالية ونجاعة كبيرتين في الحروب والقتال ودحر العدوّ وهزمه، وبحكم أجواء الصراعات القبلية الدائمة حول الموارد الطبيعية ( الماء – الأرض.

)، فامتلاك البارود كان مثار فخر واعتزاز، وهدفا يتنافس الجميع (أفرادا وجماعات) على امتلاكه، ولا يقلّ ذلك أهمية على ما كان عليه امتلاك السلاح الأبيض(السيوف- الخناجر) في السابق، حيث كان امتلاك الخنجر (الكمية) كأداة قتال في المعارك والحروب، وكوسيلة ردع ودفاع في أوقات السّلم، قبل ظهور البارود والبندقية، عنصر قوة وتفوّق، ممّا جعل السيف (الخنجر) يتحوّل إلى رمز للبطولة يتزيّئ به الرجال ويحملونه في المناسبات الاحتفالية، كذلك صار الأمر مع “تيسْكْتْ البارود”، التي تحوّلت في مجتمع قبلي، تندلع فيه الصراعات لأتفه الأسباب، إلى أداة فتّاكة من أدوات الحرب، ووسيلة فعالة للدفاع عن النفس والقبيلة، ودحر العدو، وذات أهمية كبيرة جعلتها تستحق التمجيد والترميز، حيث انتقلت كذلك إلى ميادين الثقافة والفنّ والفرجة والفرح والابتهاج والاحتفال، كأداة للزينة والجمال “تيسْكْتْ” بالبارود وبالأسلحة النارية وبالحروب القبلية بين اللّفوف (الأحلاف) يكشف عن مسألة مهمة من الناحية التّاريخية، وهي أن تاريخ هذه الرقصة هو نفسه تاريخ هذه اللفوف وهو كذلك تاريخ انتشار الأسلحة النّارية في الأوساط القبلية في أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي.

تتميز مناطق جهة سوس ماسة وبعض مناطق الجنوب والجنوب الشرقي المغربي بأنماط غنائية وألوان موسيقية متجذرة، استطاعت أن تحافظ على مكانتها المميزة، رغم حضور وانتشار أنماط معاصرة، ورغم التأثير القوي للتكنولوجيا الحديثة على مختلف الفنون.

فأحواش ومختلف الأشكال الفرجوية الغنائية وأنواع الرقصات مازالت تحظى بأهمية كبرى لدى ساكنة هذه المناطق ولدى الباحثين.

ومن بين تلك الأنماط رقصة “أهياض”.

التي تعتبر “رقصة فرجوية بامتياز”.

إذ “غالبا ما يجتمع أبناء البلدة داخل الساحات المخصصة للفرجة (أسرير، أسايس، أسراك)، ، يعبرون داخلها عن عواطفهم ومكنوناتهم وثقافتهم وعاداتهم.

فقبل الرقصة تتم تهيئة الساحة وتوفير المأكل لأهل البلدة والزوار الوافدين الشغوفين بالمشاركة في الرقصة، وتوفير كل العناصر الضامنة لإحياء الفرجة دون منغصات، فتسود كل مظاهر الفرحة، وتفتح أبواب المنازل للجميع، و أقصى درجات المتعة والإمتاع تكون عندما يكون العنصر النسوي حاضرا بكثافة كمتفرجات، فهي محفز وفاعل في العملية الفرجوية”.

فهي رقصة فلاحية، على اعتبار أن المنطقة فلاحية بامتياز، زاخرة بمؤهلات فلاحية، مما يدفع القاطنين بها إلى الحرث ومباشرة مختلف أعمال الفلاحة، وضمنها الحصاد، إذ خلاله يعرب الأهالي عن فرحتهم لجمع المحاصيل ووفرتها.

فأثناء الرقصة، تفسر الأصوات المرتفعة أو الصياح (أسغويو)، الذي يطلقه الراقصون، بكونه تعبير عن البرق.

أما “الرش” فيعبر عن تساقط الأمطار، والرفس (أبرداكا) يفسر على أنه رعد.

أما تمايلهم فيدل على نضج المنتوج، خاصة القمح والشعير، وتمايله بفعل الرياح يمنة ويسرة، ثم مباشرة عملية الحصاد بشكل جماعي وفق عملية تويزي على شكل صفوف في رشاقة تامة، وهو ما تعبر عنه الرقصة التي تؤدى في صف بشري.

فالرقصة ككل عبارة عن علاقة متشابكة بين الطقس الفلاحي بجميع مكوناته”، لكن بالإضافة إلى طابعها الفرجوي والفلاحي، فهي رقصة حربية بامتياز انتشرت في عهد “قائد من إحاحان اسمه محمد بن بيهي الأولوزي السوسي، الذي ينتمي إلى العائلة المتوكية الحيحية، التي كانت بيدها مقاليد السلطة والحكم والنفوذ بالصويرة وإحاحان وسوس وحاضرة تارودانت في عهد السلطان محمد بن عبد الله، إذ ترك أولادا متعددين، عملوا على نشر رقصة أهياض.

إذ كانوا يرافقون الفرق إلى كل مكان تحل به.

بل حتى في الحروب تحضر فرق أهياض، ومن ثمة انتقلت إلى جميع مناطق سوس.

” الذي يشمل الحزام الغربي المطل على المحيط الأطلسي، من منطقة إحاحان إلى حدود آيت بعمران بسيدي إفني.

وقد يرجع طابعها الحربي إلى أن العديد من الأشخاص من ذوي الكرامات كان يتم دفنهم بالقرب من الشواطئ، كسيدي وساي مثلا، من أجل دفع شر القراصنة البرتغاليين القادمين من البحر وصد هجماتهم.

وبالتالي، جاءت الرقصة كتعبير لتشجيع الجنود، بتأطير من القائد، على تنظيم عمليات الهجوم وضبط تحركاتهم وقوتهم، إذ أن الرقصة تفرض القدرة البدنية وتعتمد القفز والدوران والجري والرفس، تماما كما هو مطلوب في الحروب.

فالتفسير الحربي للرقصة جد منطقي، لكونها رقصة تتواجد بالبسيط السوسي وفي المناطق المطلة على المحيط الأطلسي ما بين قبيلة إحاحان وقبيلة آيت باعمران، مع بعض التأثيرات الثقافية التي تنزاح إلى ما وراء المحيط الأطلسي كقبائل أولوز وأولاد جرار.

” ولعل مما يضفي هذا الطابع الحربي على هذه الرقصة هو استخدام آلة أخرى تكتسي هي الأخرى مكانة بالغة في رقصة “أهياض”، و هي “الناقوس”، وهو إطار حديدي مشهور في الرقصات الأمازيغية السوسية، يعطي رنينا حادا، ، إذ أن الصوت الصادر عنه (صوت قرع الحديد) ضروري ومميز ومصاحب لصوت الآلة النفخية “العواد”.

وبالتالي فهو آلة إيقاعية، لكن ذات صوت مغاير.

ويشبه أهل الموسيقى “الناقوس” بالملح الذي يعطي المذاق للوجبة الغذائية، فهو يحافظ على ميزان الرقصة وإيقاعها”.

تُعتبر موسيقى الركادة من بين الأنواع الموسيقية المغربيّة الشائعة في البلاد، لكنها أكثر شيوعًا في المناطق الشمالية الشرقية من المغرب.

وخاصة في مدينة عين ركادة في إقليم بركان والتي اشتُقَّ منها الاسم.

كما تحظى بشعبية كبيرة في جهات ومدن أخرى مثل مدينة وجدة و‌تازة و‌ابن الطيب و إقليم جرسيف و عدد من الأقاليم على غرار إقليم تاوريرت و‌إقليم الناظور و‌إقليم الحسيمة.

وتعتبر رقصة الركادة رقصة حربية عريقة تعود لقبائل آيت إزناسن بشرق المغرب، حيث تجسد أمجاد النصر والبطولة.

و تتميز هذه الرقصة الحربية بضربات أقدام متناسقة على الأرض (للحساب) تشبه خطوات المحاربين، وغالباً ما تتضمن الرقص بأسلحة كالبنادق (المكحلة) أو العصي، حيث ترمز الحركات إلى الشجاعة و القوة والتلاحم.

كما تُؤدى بشكل جماعي ذكوري لتعكس جوهر المعركة.

وتشير المصادر التاريخية بأن هذه الرقصة قد نشأت في المناطق الشرقية (وجدة، بركان، أحواز) وتشتهر بها قبائل آيت إزناسن، بني كيل، ولمهاية وأحفير والسعيدية ووجدة وجرادة وتاوريرت والعيون وكرسيف وفجيج والناضور.

أما عناصر هذه الرقصة الحربية فتتمثل في:

– ضربات الأقدام: حيث يقوم الراقصون بضرب الأرض بقوة بالتزامن مع الإيقاع دلالة على ثبات المحارب في المعارك.

– استخدام الأسلحة: من خلال الرقص بالبندقية أو العصي بشكل يحاكي مناورات القتال.

الإيقاع: الذي يعتمد على آلات “البندير” و”الزامر” (مزمار بقرون الثور) و”التعريجة-.

ومن خلال مختلف هذه العناصر الحركية والايقاعية والاكسسوارية، تعد هذه الرقصة الحربية تعبيراً عن الفرح بالانتصار على الأعداء، وتعزيزاً للروح القتالية والافتخار بالبطولات التاريخية.

و هي جزء من تقاليد الرقص الحربي لدى قبائل آيت إزناسن التي تحتفلُ حينَ النصر على أعدائها برقصة الركادة، والتي تتضمَّنُ عند أدائها استخدام الأسلحة.

وتتشابه مع رقصة “لعلاوي” (الذي ينتمي أيضاً لنفس المنطقة) في كونهما رقصات حربية ذكورية تعتمد “الضرب على الأرض بالاقدام المتناسقة معَ إيقاع الموسيقى.

غير أن موسيقى الركادة تتميز بإيقاعها السريع والمكثّف، الذي يدعو إلى الحركة والرقص.

ويشمل الآداء التقليدي لرقصة الركادة مجموعة من الحركات الإيقاعية التي تتناغم مع الإيقاع السريع للطبول والبندير.

عادةً ما يكون الغناء جماعيًا، مع تركيز على الأهازيج والأغاني التقليدية التي تتحدث عن الحياة اليومية، الحب، والشجاعة.

ومن أبرز سمات رقصة الركادة هو “التحزيم” أو “الرزيف”، وهي حركات راقصة تؤدى من قبل الرجال في العادة، وتعكس القوة والتحدي.

حيث يقوم الراقصون بتكرار حركاتٍ معينة على إيقاع الطبول، مما يخلق أجواء احتفالية قوية وحماسية.

كما تتميز رقصة الركادة بحضور من يُمكن تسميتهم بالسادة (يُطلق عليهم محليًا لقبُ المشايخ أو الشيوخ)، حيثُ يعزف هؤلاء المعلمون الموسيقى ويرقصون باستخدام العديد من الآلات التقليدية مثل البندري والغيتا والزمَّار، وهو نوعٌ من الناي ذو القرنين والمنتشرِ في أفريقيا.

وعادة ما يحرك الراقصون على إيقاعِ موسيقى الركادة أكتافهم أو بندقيتهم أو عصاهم ويضربون على الأرض على إيقاعِ قرعِ الطبول.

مما يذكر بطبول الحرب التي كان يستخدمها الجيش في العهد المرابطي والسعدي والمريني تأهبا للحرب وتحميسا للجنود وتنظيما للقتال.

بدأت التبوريدة كاستعراض عسكري يحاكي معارك التحرير وتحميس القبائل، وتطورت من استخدام الأقواس والنبال إلى بنادق البارود.

و تتسم التبوريدة بعدة جوانب تاريخية وفنية.

ويعود تاريخ التبوريدة إلى القرنين الـ15 والـ16 الميلاديين، وتشكلت صورتها الحديثة في بداية القرن الـ17، حيث كانت تعكس شجاعة الفرسان وتُنظم في المناسبات الوطنية.

وللتبوريدة دلالة حربية واضحة حيث كانت وظيفتها الأصلية عسكرية، تهدف إلى إظهار القوة والتحميس للجهاد ضد المستعمر، وتخليد ملاحم القبائل.

وهكذا تلخص التبوريدة تاريخا حربيا حيث يحاكي ذهاب الفرسان المغاربة إلى الحروب في الأزمنة القديمة، عندما كان يصعد كل فارس على صهوة جواده، ويمسك بسلاحه ويودع أولاده.

كما ترمز التبوريدة إلى ملاحم وبطولات فرسان المغرب في العصور الماضية، وما خاضوه من حروب في مواجهة المعتدين والغزاة دفاعاً عن الوطن.

حيث استخدمت التبوريدة المغربية خلال فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب في المقاومة، وذلك لإتقان أصحابها ركوب الخيل واستخدام البواريد من فوقها بشكل جيد.

وبالتالي تنعكس هذه الدلالة الحربية للتبوريدة من خلال:

-طقوس الاستعراض: يحيط بالتبوريدة الكثير من الأمور والتفاصيل تتمثل في ملابس الفرسان التقليدية، والمكاحل أو البنادق التي يحملها الفرسان وبعض الأشياء والأدوات الأخرى.

فهناك الحايك والسلهام والأحزمة وعصابات الرأس، والأحذية التقليدية الخاصة بالفروسية وركوب الخيل، والحقائب التي تعلق على الكتف عبر الجسد والتي يحمل بداخلها المصحف الشريف، وبشكل عام تعد الملابس الخاصة بالتبوريدة كثيرة التفاصيل وهناك الطرق الخاصة التي يجب أن يتبعها الفارس عند ارتداء ملابسه، ولكل جزء من ثياب الفارس وأدواته وأكسسواراته وما يحمله من أشياء دلالته الرمزية كجزء أصيل من تراث بلاده وتقاليدها الحية المستمرة.

وللخيل زينتها أيضاً، فالسروج تكون مزركشة ملونة بتصميمات دقيقة الصنع تدعم وضعية الفارس وتثبت ركوبه فوق ظهر الحصان، وبعض القطع الجميلة التي توضع على رؤوس الخيل وتتدلى على جبهاتها.

-عروض التبوريدة حيث يصطف الفرسان بجيادهم بشكل أفقي، فكل فارس على جواده إلى جوار الفارس الآخر، وتظهر الأصائل من الخيل على اختلاف ألوانها وأنواعها وأسمائها وطبائعها في مظهر جميل، حيث تتكون السربة الواحدة من عدد كبير من الأحصنة والفرسان يزيد عن العشرة.

ويكون الجميع في وضع الثبات في انتظار إشارة الإنطلاق من المقدم أو العلاّم، الذي يكون هو الوحيد الذي يتحرك في ذلك الوقت، يغدو يميناً ويساراً ويروح ويجيء أمام السربة أو مجموعة الفرسان، بصوت عال جهير يتحدث المقدم ببضع كلمات ارتجالية على الأرجح، يكون فيها الحزم والقوة فهو قائد المجموعة وصوتها المسموع، ويسمى هذا الأمر بالندهة، وتختلف الندهة من مقدم إلى آخر، وهناك من يتميز في ندهته ويبدع فيها ويلقى إعجاباً كبيراً من الجماهير.

فعلى الرغم من اختلاف الكلمات التي يرددها كل مقدم في بداية التبوريدة، إلا أن هناك بعض الكلمات الثابتة أو النداءات كقول المقدم (وا الخيل، وا المكاحل).

وكل هذا يحيل إلى تنظيم المعارك من طرف السلاطين كامراء للحرب وقواد القبائل.

فقدقاد السلاطين السعديون جيوشهم بأنفسهم في معارك حاسمة، لتوحيد المغرب وطرد الغزاة، أبرزها معركة وادي المخازن التي قاد فيها السلطان عبد الملك السعدي الجيش شخصياً رغم مرضه، محققاً فيها نصراً ساحقاً على الجيش البرتغالي بقيادة سيبستيان.

– عروض الخيل والفروسية، حيث يمكن وصفه بالعرض الرياضي الفني التاريخي الحربي، فهو رياضي لأنه يجمع بين الرماية والفروسية، ويعتمد بالأساس على ركوب الخيل والتمكن من قيادته وحسن تدريبه والتحكم به، وتطويع الفرسان للجياد ونجاحهم في أداء العرض المطلوب بمهارة جسدية عالية ولياقة بدنية كبيرة، ودقة إطلاق البارود جماعياً في تزامن منضبط، وتمكن الفارس من سلاحه وإجادة الإمساك به في حركات جمالية متنوعة.

الشيء الذي يحيل على فترات من التاريخ السياسي المغربي التي كان يعتمد فيها الجيش سواء في العهد المرابطي مرورا بالعهد الموحدي والسعدي بشكل مكثف على الفرسان والخيالة كقوة ضاربة رئيسية، حيث دمج المرابطون بين فرق الجمال والخيالة الأندلسية في معاركهم الفاصلة والتي من أبرزها معركة الزلاقة، بينما طور السلاطين السعديون فرقاً خيالة مدرعة، مستفيدين من التلاقح العسكري بين صلاية قبائل البربر وفنون القتال الأندلسية، مما ضم لهم التفوق العسكري في المعارك التي خاضوها ضد خصومهم بما فيهم البرتغال واحتواء تحرك القبائل السائبة.

كم اعتمد الجيش المغربي في عهد الاسرة العلوية، خاصة مع السلطان المولى إسماعيل على جيش نظامي قوي يرتكز أساساً على فرسان وخيالة عبيد البخاري.

-طريقة الأداء والركض: حيث يصطف الفرسان في خط مستقيم، وينطلقون بسرعة بانسجام تام، وينتهي العرض بإطلاق النار من بنادق البارود في نفس اللحظة (“التبوريدة”)، مما يجسد الانضباط والانسجام مما يذكر بالتكتيك العسكري الكر والفر الذي كان يتبناه الجيش المغربي والتي تقوم على الهَجَماتِ المُفاجئةِ القصيرةِ، والانْسِحابِ قبلَ أنْ يَتَمكنْ العَدُو من الرّد بقوةٍ والمناورةِ باسْتمرار لتجَنُبِ المشارَكة والمهاجَمة الكاملة مع العَدُو، حَيثُ تَهدِف هَذه التَكتيكات إلى إضعافِ قُوات العَدُو ببطء مِنْ خلال الغَارات والمُضايقات والمُناوَشات مَعْ الحَد مِنْ المَخاطر على القواتِ الصديقةِ بدلاً من هَزيمةِ العَدُو بشكلٍ حاسم أو الاستيلاء على أراضيه، وفي مِثلِ هذه التَكتيكات يمْكِن أيْضاً فَضح نِقاط الضُعف الدِفاعية للعَدُو وتَحقيق تَأثير نَفسِي على مَعنوياتِ العَدُو.

وقد اعتمد السلطان عبد الله الغالب في معاركه مع الجيش العثماني على تكتيكات الكرّ والفرّ، واستغلال التضاريس الجبلية والوديان رغم تفوق العثمانيين في العتاد والخبرة.

ولعل هذا العمق التاريخي للتبوريدة التي تعد من أقدم فنون الفروسية في المغرب، جعل منظمة اليونسكو تقوم بتسجيل التبوريدة باسم المملكة المغربية وإدراجها على قائمتها للتراث اللامادي عام 2021 لما تشكله من طقس ثقافي عريق يشغل مكاناً ثابتاً في وجدان الشعب المغربي، ويمثل شغفاً كبيراً لدى أغلبه إما بممارسة هذا الطقس، أو بمشاهدته وتشجيعه ومتابعة فعالياته كما لو أنه يجري في الدم أو يرتبط بالجينات.

فكثيرة هي المهرجانات والمواسم التي تشهد عروض التبوريدة، وكذلك المسابقات الكبرى التي يقام بعضها تحت الرعاية الملكية السامية، وتُمنح فيها الجوائز لأفضل المجموعات التي قدمت عروض التبوريدة.

ولا تقتصر التبوريدة على مكان معين في المغرب، إذ تشمل كل أرجاء المملكة جنوباً وشمالاً وغرباً وشرقاً، كما تسافر الفرق والمجموعات المختلفة لتقديم العروض خارج المملكة المغربية سواء في الدول العربية أو في البلدان الأجنبية، كذلك لا تقتصر التبوريدة على جنس دون الجنس الآخر، فكما يوجد الفرسان من الرجال توجد الفارسات من النساء، اللاتي يمارسن التبوريدة بكامل أسسها وشروطها، بذات القوة والسرعة والدقة والانضباط، ويعرف المغرب في الوقت الحالي الكثير من مجموعات التبوريدة النسائية.

وإلى جانب المواسم والمهرجانات المتخصصة يمكن أن نرى التبوريدة في بعض المناسبات الوطنية و في مواسم ومهرجانات ة، حيث يقام المضمار العريض الممتد بشكل مستطيل، وعلى جانبيه يوجد مقاعد المتفرجين والجمهور الذي تشكل حماسته بما فيها من صيحات الإعجاب والزغاريد والتصفيق الحاد جزءاً من أجواء التبوريدة ومتعتها الهائلة.

إذ للتبوريدة متعة بصرية غاية في الجمال، حيث تتجسد طقوس التبوريدة كلوحة تشكيلية، فيها الحركة والتكوينات والألوان وملابس الفرسان وزينة الخيل، وطراز البنادق ودخان البارود الذي يغلف المشهد ويمنحه لمسة خيالية بديعة مؤثرة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك