تظل السينما دوماً فناً يقوم على أسس علمية دقيقة، تُبنى من كيمياء الضوء وحساسية الشريط السينمائي، وباعتبارها فناً مكانياً بالدرجة الأولى، تأتي التجربة البصرية لتجسد هذا المفهوم.
لكن فيلم" خاطئون" (Sinners) من بطولة النجم مايكل بي جوردان وإخراج ريان كوغلر، دفعنا كمشاهدين ومتابعين لإعادة النظر في هذا المفهوم، مقدماً تجربة مرشحة بقوة لانتزاع الأوسكار.
قام منهجه الفني على" التمرد على النجم"؛ حيث فرض المخرج ريان كوغلر تحدياً استفز قدرات مايكل جوردان التمثيلية، محاصراً إياه بحمم من التحولات الدرامية الصاخبة والعنيفة.
تدور أحداث الفيلم في عام 1932، حيث نتابع التوأمين" إيليجا سموك" و" ستاك"، وهما جنديان سابقان يعودان إلى ولاية مسيسيبي بعد ماضٍ مظلم في عالم العصابات، ليجدا نفسيهما في مواجهة أحداث غير متوقعة تقلب موازين حياتهما رأساً على عقب.
من عنصرية الرجل الأبيض الى مواجهة مصاصي دماء يقودهم رجل ايرلندي.
تألق الفيلم في تقديم صورة مغايرة تماماً عن" مصاصي الدماء" في السينما، مبتعداً عن القوالب النمطية ليقدم وحدة في الحدث واللغة.
ومن أبرز ملامح الإبداع في الفيلم:
توظيف العواطف: نجح الكاتب والمخرج في بناء حساسية متميزة تربط المشاهد بالشخصيات بعمق وجداني.
المشاهد الشاعرية: امتازت اللقطات بكثافة شاعرية لم تكن لمجرد التجميل، بل نجحت في دفع الحدث للأمام وتطوير الصراع.
توازن اللقطات: اعتمد السيناريو على بناء المواقف بدقة متناهية، حيث كانت الكاميرا تمزج باستمرار بين مركز الانتباه الأساسي وبين التفاصيل المحيطة، مما خلق إيقاعاً خاصاً لكل مشهد.
تفرّد الفيلم بمشهد ختامي" سامٍ" حلق بالعمل في آفاق فلسفية بعيدة؛ وهو مشهد" سامي مور" (ابن عم البطلين) وهو يعزف الجيتار في ملهى ليلي عام 1996، حيث انتقل بنا الزمن فجأة لنرى سامي وقد غزا المشيب ملامحه، لكنه لا يزال يعزف ذات الأغنية التي عزفها قبل أكثر من ستين عاماً.
هذا الانتقال كان تجسيداً لوحدة الزمن والمشاعر التي تخلدها الموسيقى والسينما.
استطاع ريان كوغلر في" خاطئون" أن يؤكد ممتلكاته الجمالية الممتازة، مقدماً بنية متكاملة شكلاً ومضموناً، حيث تلاحم الحوار البليغ مع روعة المشهدية البصرية، ليخرج لنا عملاً يتسم بغنى المنهج وقوة التأثير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك