ويأتي شعار احتفالية الأمم المتحدة لهذا العام 2026 تحت عنوان: «الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع»، تأكيدًا على أهمية بناء منظومات حماية شاملة تضمن الكرامة الإنسانية، وتوفر فرصًا عادلة في سوق العمل.
وتسعى دول العالم أجمع، خلال هذا اليوم، إلى تجسيد هذا الشعار على أرض الواقع، من خلال العمل على تحقيق العدالة الكاملة والعمل اللائق، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وضمان الوصول العادل إلى خدمات الرفاه الاجتماعي، وترسيخ مبادئ العدالة للجميع دون تمييز.
وما يهمنا في هذا الشأن هو التدابير المصرية التي كانت سبّاقة في ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية بشكل عام، والعدالة في العمل اللائق بشكل خاص، اتساقًا مع شعار هذا العام الذي يركز على الحماية الاجتماعية وضمان فرص عمل كريمة للجميع.
ودائمًا ما كانت الدولة المصرية، بسياساتها ورؤيتها، في مقدمة الدول التي تترجم الشعارات إلى إجراءات عملية؛ إذ تحولت العدالة الاجتماعية في مصر، خلال السنوات العشر الماضية، من مجرد شعار يُرفع إلى واقع ملموس تدعمه المبادرات والقرارات التنفيذية على الأرض.
وعلى سبيل المثال، وخلال الأيام القليلة الماضية، وجّه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة المصرية بضرورة العمل على تنفيذ حزمة جديدة للحماية الاجتماعية تستهدف دعم الفئات الأولى بالرعاية والأقل دخلًا، في إطار تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وتحقيق مزيد من الحماية للفئات الأكثر احتياجًا.
كما وجّه بضرورة توفير مخصصات مالية إضافية للانتهاء من مشروعات المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة»، والعمل على خلق فرص عمل للفئات الأكثر احتياجًا، فضلًا عن دعم قطاع الصحة من خلال توفير العلاج الطبي، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، وعلاج الحالات الحرجة وقوائم الانتظار، وتسريع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يعزز حق المواطن في حياة كريمة ورعاية صحية متكاملة.
وإذا أجرينا رصدًا مبسطًا لبعض أوجه العدالة الاجتماعية في مصر، فسنجد أنها تتجسد في عدد من المبادرات التنموية الشاملة، وفي مقدمتها مبادرة «حياة كريمة» التي تُعد أبرز هذه الآليات، حيث تستهدف تحسين مستوى المعيشة في الريف المصري من خلال تطوير البنية التحتية، والارتقاء بالخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز جودة الحياة للمواطنين في القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
هذا إلى جانب برامج الدعم النقدي المشروط، وفي مقدمتها برنامج «تكافل وكرامة»، الذي يهدف إلى توفير دعم نقدي مباشر للأسر الفقيرة، وكبار السن، وذوي الإعاقة، بما يضمن لهم حياة كريمة ويعزز شبكات الحماية الاجتماعية.
كما يبرز الاستثمار في رأس المال البشري من خلال مبادرة «بداية» (بداية جديدة لبناء الإنسان)، التي تُعد برنامجًا شاملًا لتعزيز قدرات المواطن المصري، والارتقاء بالمنظومة الصحية والتعليمية، بما يحقق تنمية مستدامة قائمة على بناء الإنسان.
وإذا نظرنا إلى الإطار التشريعي، فإن دستور مصر 2014 ينص بوضوح على التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعي، وضمان الحق في التعليم والصحة.
كما لا يفوتنا التأكيد على آليات الدمج المجتمعي والتمكين، حيث تركز السياسات في الدولة المصرية على دمج الفئات المهمشة، وتعزيز مشاركة المرأة والشباب وذوي الإعاقة، بما يدعم فرص الحراك الاجتماعي ويرسخ مبدأ تكافؤ الفرص.
وإلى جانب ذلك، يأتي تعزيز بيئة العمل والحوار الاجتماعي، حيث انضمت الحكومة المصرية إلى التحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية، بما يسهم في ضمان علاقات عمل عادلة وحماية حقوق العاملين.
وتهدف هذه الآليات مجتمعة إلى تقليص الفجوات الطبقية، وتحقيق المساواة في الفرص، ونشر ثمار التنمية بشكل عادل وشامل بين مختلف فئات المجتمع.
وإذا أردنا التأكيد، فإن كل ما سبق لا يُعد سوى نقطة في بحر الإجراءات والسياسات التي اتخذتها الدولة المصرية لترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية وترجمتها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الفئات المجتمعية التي استهدفتها هذه السياسات بصورة مباشرة، وفي مقدمتها المرأة؛ حيث أطلقت الدولة استراتيجية تمكين المرأة المصرية، وأعلنت عام 2017 عامًا للمرأة المصرية، تأكيدًا على دورها المحوري في مسيرة التنمية، مع العمل على تحقيق تكافؤ الفرص لها على مختلف المستويات وفي شتى المجالات والوظائف، بما يعزز حضورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
كما تحظى شريحة الأشخاص ذوي الإعاقة باهتمام خاص باعتبارهم من الفئات الأكثر احتياجًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والشعور بثمارها.
وقد تجسد ذلك بوضوح في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، الذي مثّل نقلة نوعية في ضمان حقوقهم ودمجهم في المجتمع، فضلًا عن إنشاء كيانات وصناديق داعمة للاستثمار في قدراتهم، وفي مقدمتها صندوق «قادرون باختلاف» وصندوق «عطاء» الاستثماري الخيري، بما يعزز التمكين الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة.
أما الشباب، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع، فقد أولتهم الدولة اهتمامًا بالغًا ضمن إطار رؤية مصر 2030، من خلال العمل على تمكينهم اقتصاديًا وسياسيًا، وإشراكهم في عملية صنع القرار.
ويتجلى ذلك في برامج دعم ريادة الأعمال، مثل برنامج «رواد 2030» الذي يستهدف تمويل مشروعات ريادة الأعمال، إلى جانب دعم حاضنات الابتكار والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث تم تمويل آلاف المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، خاصة في المناطق الأكثر احتياجًا.
كما شمل الاهتمام تطوير منظومة التعليم الفني المزدوج عبر التدريب داخل المصانع لربط التعليم بسوق العمل وتأهيل الخريجين مهاريًا، فضلًا عن إطلاق مؤتمرات الشباب كمنصات حوارية مباشرة بين الدولة والشباب، بما يعزز المشاركة السياسية والمدنية، ويرسخ مبادئ تكافؤ الفرص والاندماج المجتمعي، ويؤكد أن العدالة الاجتماعية في مصر باتت نهجًا شاملًا يستهدف الإنسان في مختلف مراحله وفئاته.
وفي حديثٍ أيضًا عن الشباب، وفي إطار ترسيخ العدالة الاجتماعية بوصفها مدخلًا حقيقيًا لبناء الدولة الحديثة، أولت الدولة المصرية اهتمامًا خاصًا بتمكينهم من خلال الدفع بهم إلى مواقع المسؤولية وصناعة القرار.
فقد تم اختيار عدد من الكفاءات الشابة للعمل معاونين للوزراء والمحافظين، في خطوة تعكس الثقة في قدراتهم، وتُعد مدرسة عملية لإعداد جيل جديد من القيادات التنفيذية.
كما أُتيحت الفرصة أمام الشباب للمنافسة في الاستحقاقات الدستورية، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، بما يعزز تمثيلهم البرلماني ويؤكد إيمان الدولة بأهمية إشراكهم في صياغة التشريعات والرقابة على الأداء التنفيذي، باعتبارهم شركاء حقيقيين في بناء المستقبل.
ولم يأتِ هذا التمكين من فراغ، بل استند إلى منظومة تدريب وتأهيل مؤسسية، في مقدمتها الأكاديمية الوطنية للتدريب، التي تعمل على إعداد كوادر شبابية مؤهلة علميًا وعمليًا لتولي المناصب القيادية، من خلال برامج متخصصة تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، وتسهم في صقل مهارات القيادات الشابة وبناء قدراتهم في مجالات الإدارة العامة وصنع السياسات والحوكمة.
وبذلك أصبح تمكين الشباب في مصر مسارًا متكاملًا يبدأ بالتأهيل والتدريب، ويمر بإتاحة الفرص الحقيقية، وينتهي بوصولهم إلى مواقع التأثير وصنع القرار، في تجسيد واضح لفلسفة العدالة الاجتماعية القائمة على تكافؤ الفرص وإتاحة المجال للكفاءة والقدرة دون تمييز.
وإذا انتقلنا بالحديث إلى آليات العدالة الاجتماعية في سوق العمل المصري، وهو المحور المرتبط مباشرة بشعار اليوم العالمي لهذا العام بشأن «الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للجميع»، نجد أن الدولة المصرية اتخذت حزمة من الإجراءات المتكاملة لترسيخ مفهوم العمل اللائق، وتطوير منظومة الأجور، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وذلك في إطار رؤية مصر 2030.
فقد عملت الدولة على إقرار قوانين عمل أكثر توازنًا، وتعزيز الحد الأدنى للأجور، ودمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية، إلى جانب إطلاق برامج تدريب وتأهيل للشباب لتقليل الفجوة المهارية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وجميعها إجراءات تستهدف تقليص التفاوتات الهيكلية، وتعزيز التكافؤ بين القطاعين العام والخاص، وضمان بيئة عمل آمنة وعادلة قائمة على الحقوق والواجبات.
وفي المحصلة، يتضح أن العدالة الاجتماعية في مصر لم تعد مجرد إطار نظري أو شعار يُرفع في المناسبات الدولية، بل أصبحت مسارًا استراتيجيًا تتكامل فيه التشريعات مع المبادرات، والسياسات مع البرامج التنفيذية، ليصب الجميع في هدف واحد هو: بناء إنسان قادر، ومجتمع أكثر إنصافًا، ودولة حديثة تقوم على تكافؤ الفرص لا الامتيازات.
فالاستثمار في المرأة، وتمكين الشباب، وحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير منظومة العمل اللائق، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، كلها حلقات في منظومة واحدة تسعى إلى تقليص الفجوات، وتحقيق التوازن، وضمان أن تصل ثمار التنمية إلى كل مواطن دون استثناء.
ومع استمرار العمل ضمن إطار رؤية مصر 2030، تظل العدالة الاجتماعية ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة، باعتبارها الضمان الحقيقي للاستقرار، ومحركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة، وطريقًا راسخًا نحو مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك