عاد الحديث عن «المجالس المحلية» مجدداً.
وبقوة، بعد سنوات طويلة من الغياب الذي خلّف فراغاً مؤسسياً ورقابياً واسع التأثير.
أخيراً بدأنا نلمس تحركات حكومية وبرلمانية تسعى للانتهاء من قانون الإدارة المحلية، استجابة لتوجيه رئاسي واضح من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة الجديدة بضرورة «استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية»، وهو ما أكده الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مشيراً إلى أن الهدف يتمثل في «تحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل بوحدات الإدارة المحلية وضبط الأداء الإداري بها».
هذا الحراك المتجدد، لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إدارياً مؤجلاً فقط، ولكن باعتباره ضرورة سياسية وتنموية ترتبط بجوهر فكرة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وبمفهوم المشاركة الشعبية، وبإعادة التوازن المفقود لمنظومة الحكم المحلي.
منذ آخر انتخابات محلية شهدتها مصر عام 2008، وجهاز الدولة التنفيذي في المحافظات والمدن والقرى يعمل دون أي رقابة شعبية مباشرة.
ورغم أن بعض الآراء كانت تشير إلى أن الرقابة البرلمانية موجودة عبر مجلسي النواب والشيوخ، لكنها تبقى رقابة مركزية بعيدة عن التفاصيل اليومية التي تمس حياة المواطن في حدود القرية أو الحي.
وطوال هذه السنوات اتسعت الفجوة بين المواطن والإدارة المحلية المسئولة عن تقديم الخدمات الأساسية التي تهمه مباشرة، بداية من النظافة إلى الإنارة، مروراً برصف الطرق الداخلية، وليس انتهاءً بالتخطيط العمراني، وغيرها من الملفات اليومية التي لا تصل عادة إلى قبة البرلمان.
هذه الفجوة جعلت المواطن يشعر أحياناً بالعجز عن محاسبة المسئول المحلي، وتحولت شكاواه إلى صيحات في الهواء، أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تفتقر إلى الآليات الرسمية المنضبطة والمؤثرة.
وعودة المجالس المحلية ستعيد الاعتبار لمبدأ «الرقابة القريبة»، حيث يصبح المواطن قادراً، عبر ممثليه المنتخبين، على توجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة للمسئولين المحليين، وفق ما نص عليه الدستور بوضوح.
في هذا السياق، يكتسب حديث رئيس مجلس الوزراء، عن التوجيه الرئاسي باستكمال هذا الاستحقاق، أهمية خاصة.
والتأكيد على أن الهدف هو تحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل في وحدات الإدارة المحلية، وضبط الأداء الإداري، يعكس إدراكاً رسمياً متزايداً بأن كفاءة الإدارة لا تنفصل عن الرقابة المجتمعية، وأن الإصلاح الإداري لا يكتمل بالأدوات البيروقراطية وحدها، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات منتخبة تمارس دورها الدستوري كما يجب.
وأهمية المجالس المحلية لا تنبع فقط من كونها استحقاقاً دستورياً مؤجلاً، بل من طبيعة الدور الذي تؤديه داخل منظومة الحكم المحلي، باعتبارها أحد جناحي السلطة المحلية إلى جانب الإدارة التنفيذية، وتشكّل آلية توازن ضرورية تمنع الانفراد بالقرار، وتحدّ من الترهل الإداري، وتفتح المجال أمام المساءلة والمحاسبة.
وبعيداً عن البُعد الخدمي والرقابي، تحمل انتخابات المحليات أهمية سياسية كبرى، فالمجالس المحلية هي بحق «المدرسة السياسية الأولى» لتخريج وتأهيل الكوادر السياسية الجديدة.
وكلنا يعرف أن العديد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ البارزين، بدأوا مسيرتهم العامة من خلال الفوز بمقعد في مجلس محلي، حيث تعلموا هناك أصول العمل العام، وخاضوا تجربة التواصل مع الجماهير، وواجهوا تحديات حقيقية في تقديم الخدمات ومتابعة المشكلات.
التوجيه الرئاسي واضح، والإرادة السياسية حاضرة، وتبقي الخطوة التشريعية الحاسمة من مجلس النواب، بإنجاز قانون الإدارة المحلية.
الحكومة قدمت بالفعل مشروعها، وبعض النواب تقدموا بمشروعات أخرى، والبرلمان مطالب بالتحرك السريع للانتهاء من هذا القانون الذي طال انتظاره.
المجالس المحلية ليست ترفاً سياسياً، أو من كماليات المشهد العام، وإنما هي استحقاق دستوري وحاجة شعبية ملحة، وعودتها ستُشعر المواطن بأن صوته له قيمة، وأنه قادر على تغيير واقعه المحلي عبر صندوق الاقتراع.
ومن المؤكد أن انتخابات المحليات ستعيد للحياة السياسية حيويتها، وللأحزاب فرصتها في تجديد دمائها، وستضع المواطن في موقعه الطبيعي، كشريك في إدارة شئون مجتمعه، وليس مجرد متلقٍ للقرارات.
وفي النهاية، فإن الديمقراطية لا تكتمل إلا بقربها من الناس، والمحليات هي أقرب مؤسسات الديمقراطية للمواطن العادي، وهي العنوان الحقيقي لمشاركته في إدارة شئون بلده الصغير، قبل وطنه الكبير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك