تأخذنا ثلاثية الموت، السلطة، العزلة، في الكتاب الموسوم بـ»تحليق نسبي» للكاتب نواف يونس، الصادر عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع 2025، إلى منطقة شائكة من التساؤلات الوجودية، حيث تتجلى مفارقات الحياة، وقد جسدت الكوميديا السوداء في ثلاثة نصوص حملت عناوين دالة على عوالمها الداخلية، وهي: «ملك ليوم واحد»، «الرحيل»، «أشواق معتقلة».
في هذه النصوص، يغوص يونس في سبر أغوار النفس البشرية المحاصرة، محاولاً فك شيفرات الاغتراب والوجود من منظور سيميائي وفلسفي رفيع.
يفتتح مشهد المسرحية الأولى «ملك ليوم واحد» بتصوير دقيق للملك الذي يعيش حالة من الاغتراب الكامل داخل قصره المنيف.
تحيط بهذا الملك هالة من المظاهر الزائفة، والمديح المبالغ فيه، ونفاق الحاشية الذي لخصه البيت الشعري الشهير: «فإنك شمس والملوك كواكبُ».
هذا الاستغراق في «الوهم» خلق فجوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم، حتى جاءت «ست الملك» أخته، لتكسر هذا الجسر المبني على الزيف، مشيرةً بوضوح إلى «البرج العاجي» الذي عزل فيه الملك نفسه عن واقع شعبه المظلوم؛ ذاك الواقع الظلامي الذي يعيش فيه الناس، وقد لاقوا من بطش السلطة ما لا يُحتمل.
كان كلام «ست الملك» بمثابة «زلزال الوعي» الصحوة التي دفعت الملك للنزول إلى الشارع متنكراً بشخصية «برهوم»؛ ليس فقط لاستكشاف الشارع، بل لكسر جدار العزلة الذاتية.
تكشف المسرحية عبر أحداثها كيف يتم تجيير القانون ليكون أداة للقمع والتنكيل، بدلاً من إرساء العدل، وتتجلى هذه الرؤية في مقولة «حسن» الفلسفية: «القانون يا برهوم.
القانون أعمى، ألم تسمع بذلك؟ أليس مضحكاً أن يعصبوا عينَي العدالة حتى لا ترى؟ ! ».
هنا يبرز دور المثقف في تعرية الفساد، حيث يساق الشرفاء إلى السجون بتهم واهية، بينما يسرح الفاسدون ويمرحون بمباركة «القانون الأعمى».
جاء البناء الدرامي للمسرحية عبر خمس لوحات متتابعة ومحكمة؛ مثلت اللوحة الأولى فضاء القصر وما يكتنفه من خداع بصري وسمعي، بينما كشفت اللوحة الثانية واقع البلدة المأزوم والمخنوق باللوائح القمعية، ينقلنا المؤلف في اللوحة الثالثة إلى «الزنزانة»؛ حيث يولد الوعي الثوري الحقيقي عبر لقاء الثوار وتعرية زيف الخطاب الرسمي.
تصل المسرحية إلى الذروة الفكرية حول مفهوم التغيير الجذري وصراع الخيارات بين المهادنة والمواجهة، وهو ما يتضح في حوار حسن: «كلا.
إذا كنت برهوم فليس لك أن تكون ملكاً، وإن كنت الملك فليس لك أن تكون برهوم».
جاءت اللوحة الخامسة لتشكل ختام المسرحية، وقد تحولت المسرحية إلى ميتا – مسرح حيث ظهر المؤلف ليؤكد أن الحرية فعل وليست مجرد رد فعل، وأن الثورة أصبحت هدفاً وليست وسيلة.
وقد تمايزت لغة الحوار بين نقيضين؛ لغة القصر القائمة على المديح والنفاق، ولغة السجن القاسية والصريحة، مع استخدام مصطلحات فلسفية مثل «القانون الأعمى» ودمج أبيات شعرية استخدمها حسن الشاعر كأداة للذكاء والمبارزة والمقاومة.
في مسرحية «الرحيل»، ننتقل إلى فضاء فلسفي مغاير ينتمي للكوميديا السوداء بامتياز، حيث اللقاء العبثي والمفاجئ، بين إنسان عادي يُدعى «غريب غريب غريب»، و»مندوب الموت» الذي يظهر بمظهر عصري أنيق لا يوحي بنهاية الحياة.
جسّد يونس سلطوية الموت وميكانيكيته الباردة وفقاً لـ(فلسفة العبث)؛ إذ تكمن المفارقة الصادمة في فقدان الموت هيبته الروحية والمهابة الغيبية، ليتحول إلى مجرد إجراء إداري بارد يلتزم بالمواعيد الصارمة والأرقام الجافة، متمثلاً في مندوب يرتدي حلة رسمية ويحمل حقيبة «سامسونايت» وكأنه مندوب مبيعات أو محصل ضرائب.
تبدأ المسرحية بأغنية افتتاحية مشبعة بالاغتراب: «حمامة كنت والا… ديب رح تضلك بهالدنيا غريب».
ومن خلال موسيقى بيتهوفن (القدر)، يعزز المؤلف فكرة الحتمية التاريخية للفناء.
يجسد «غريب» صوت الإنسان المقهور الذي يحتج بجسارة على الموت وسلبه للحياة دون استئذان، متسائلاً بمرارة وجودية: «إن الإنسان دوناً عن بقية الكائنات وهب الحرية.
أين تلك الحرية؟ ».
يتلقى غريب رداً ساخراً من المندوب الذي يصف نفسه بأنه «عبد» ينفذ الأوامر باسترداد الأمانة في غضون «إحدى وثلاثين دقيقة».
تبرز هنا المساومة الإنسانية في أبهى صورها العبثية والمؤلمة، حين يتنازل غريب تدريجياً عن أطرافه وحواسه، بل كرامته مقابل البقاء للحظة إضافية: «اقطع يدي ولساني.
ولا تقتلني».
والمفارقة الكبرى تكمن في انكشاف أسرار حياة غريب المأساوية من فقر وديون وتعاسة زوجية، ورغم كل هذا الشقاء، يظل متشبثاً بالحياة.
تنتهي المسرحية بنهاية معلقة؛ حين ينتبه المندوب لخطأ في اسم الزوجة (مريم بدلاً من خديجة)، فينصرف قائلاً، «سأعود»، ليبقى الإنسان في حالة ترقب دائم، يفضل فيها الوجود القسري على العدم المطلق.
أما مسرحية «أشواق معتقلة»، فهي نص ملهم ينتمي للمونودراما، يجسد صراعاً وجودياً مكثفاً تعيشه شخصية «أشواق»، تلك الفتاة الثلاثينية التي تعيش في زنزانة اختيارية.
غرفتها لم تكن مجرد جدران، بل تحولت إلى سجن نفسي ومرآة لروحها المنهكة.
اسم «أشواق» بحد ذاته حمل دلالة الرغبات المكبوتة والحنين، وهي التي وصفت نفسها بأنها «حبيسة منذ آلاف الليالي والأيام».
عزلتها هنا ليست جسدية فقط، بل هي اجتماعية ونفسية ناتجة عن «الوصم الاجتماعي» الذي يلاحقها بكلمة «عانس».
برع يونس في تصوير عزلة الأرواح المعتقلة بطريقة لافتة تحمل القارئ والمشاهد على التقمص الذاتي، متخيلاً نفسه مكانها ومستشعراً أوجاعها التي كانت بمثابة صرخة ألم مدوية تبثها امرأة في وجه مجتمع ذكوري، تطالبه بالتوقف عن إطلاق تلك النظرة الدونية والقاسية فما هي إلا رصاصة غادرة تقتل المرأة من الداخل وتدمر كينونتها.
كما برع الكاتب بشكل مذهل في تقنية «أنسنة المكان» وبث روح تشارك أشواق وحدتها القاتلة؛ حيث يتحول أثاث الغرفة الصامت من كرسي وطاولة ومرآة إلى شخوص درامية فاعلة في مخيلتها المنهكة؛ الكرسي يصبح الحبيب المنتظر، والمعطف المعلق «ظل رجل» ترقص معه في محاولة بائسة لتعويض الحرمان العاطفي.
صوت البندول في الغرفة كان بمثابة ساعة موقوتة تحصي ما تبقى من خريف العمر، حتى الشعيرات البيضاء التي غزت رأسها كانت تنعى شباباً ضائعاً أصبح يشبه «طائر الخريف» في صباح شتائي بارد.
هذه الحالة من الهلوسة والتردد هي رد فعل طبيعي على التأذي النفسي العميق، مما تعانيه من همسات المجتمع ونظراته المحاصرة لها.
تنتهي المسرحية باستسلام هادئ وحزين على أنغام موسيقى الغيتار الكلاسيكية، ليكون «الحلم» هو العزاء الأخير والنافذة الوحيدة، التي تطل منها أشواق على عالم حرمها من أبسط حقوقها في الحياة.
سلطت نصوص «تحليق نسبي» الضوء على العزلة كشكل من أشكال القهر الإنساني متعدد الوجوه؛ فمن عزلة الملك الناجمة عن الجهل بالواقع، إلى عزلة أشواق النفسية الناتجة عن قهر المجتمع، وصولاً إلى ميكانيكية الموت وسلطته العبثية في «الرحيل».
في كل هذه الأعمال، نجد الحصار يفتك بالروح، ومع ذلك يظل الإنسان متمسكاً بـ»التحليق»، مفضلاً صراع الوجود بمراراته على سكون العدم، لتظل الكلمة هي السلاح الأخير في وجه الفجيعة والمفارقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك