في كل عام، ومع اقتراب بزوغ هلال شهر رمضان الذي يختلف المسلمون حول رؤيته، وينقسمون بين صائم ومفطر في يومه الأول، يتصاعد خطاب إعلام الاحتلال محذّراً من تصعيد التوتر المتوقع في رمضان، فرمضان الفضيل اختزل إلى صورة لمئات الشبان يلقون الحجارة على شرطة وجيش الاحتلال، تنفجر بينهم القنابل الصوتية والدخانية، إضافة إلى إصابات بالرصاص الحي، واعتقالات بأيدي المستعربين، وأخبار ملتبسة عن محاولة طعن أو دهس و»تحييد المنفذ».
قبيل الشّهر، يعلن مسؤولون أمنيون اتخاذ الاستعدادات والإجراءات الاستثنائية، وتنشر مئات إضافية من وحدات الشرطة وحرس الحدود وشركات الأمن خصوصاً في القدس لـ «ضمان حرية العبادة»، وحرية العبادة هنا ليست ساذجة، بل تعني حرية اقتحام المستوطنين لساحات المسجد الأقصى بحراسة الشرطة من غير اعتراض أحد.
وفي الوقت ذاته، تحدد أعداد المسلمين وأعمار من يسمح لهم بالدخول من الضفة الغربية إلى القدس، عادة فوق سن الخمسين.
أما التصدي للمقتحمين فهو اعتداء على حرية العبادة.
تُصاغ التصريحات بلغة وقائية توحي بأنّ رؤية هلال رمضان ترفع لدى المسلمين هرمونات عدوانية على غيرهم من أتباع الديانات والعقائد الأخرى، وأن الصيام إضافة إلى الجوع والعطش، يكتمل في رغبة الصائم بأذية غير المسلمين.
هكذا يُعاد إنتاج صورةٍ تختزل أقدس الأشهر لدى المسلمين في عنوان واحد «شهر الخطر، شهر الإرهاب والتطرف والأذية للأبرياء».
هذه صناعة سردية وبناء شبكة أفكار تشيطن الطقوس الدينية الإسلامية، يقصد منها إعادة تشكيل الوعي المحلي والدولي، من خلال شيطنة العقيدة نفسها.
يُنتزع رمضان في المخيال الجمعي كشهر عبادة وزيارات عائلية وصلة أرحام وتقشّف، إلى شهر احتمالات أمنية تستدعي الاستنفار وزيادة الحرص والحواجز التي تترجم بالضرورة إلى إمعان في إذلال المواطنين خلال تفتيشهم وعرقلة حركتهم بين قراهم ومدنهم وحتى بين الأحياء داخل مدنهم.
إضافة إلى أن وجود الحواجز بكثافة حول القدس وداخلها يُقصد منه إحباط العازمين على زيارتها وتقليل أعدادهم.
مع تكرار الصورة، تتحوّل الفكرة إلى واقع، ومع كل ردة فعل لهذا الواقع حتى ولو كانت مجرد صرخة تذمر على حاجز، تكون النتيجة جرحى أو شهداء، وهذا يستدعي ردة فعل، ثم عقوبات جماعية واعتقالات ومزيد من القتل المتجدد والتخريب في البنى التحتية.
شيطنة رمضان تأتي كجزء من مسلسل الكراهية، يتسق مع الانتقادات الحادة الموجهة للمسلمين في موسم الحج بسبب ذبحهم الخراف بصورة جماعية وبأعداد كبيرة، إضافة إلى النقاش المستمر حول شرعية لباس المسلمات والظهور بالحجاب في الأمكنة العامة أم لا، إلى التشكيك في الهدف من أموال الزكاة وحتى تبرير مصادرتها بحجة أنها تصرف لعائلات مارس أبناؤها العنف ضد الاحتلال.
بعد الاستنفار، تأتي نتائجه بمزيد من العنف والاعتقالات والشهداء، وتبدو كأنها نتيجة لشهر الصيام وليس للاحتلال نفسه.
هكذا يجري تحويل الطقس الديني وجزء أساسي من العقيدة إلى متهم دائم.
ليست شيطنة الطقوس الدينية أمراً طارئاً في التاريخ، بل رافقت صراعات البشر منذ قرون، وغالباً ما استُخدمت لتبرير استعمار شعوب أو قمعها أو إقصائها.
فالسكان الأصليون في الأميركيتين صُوِّرت معتقداتهم الروحية ورقصاتهم بوصفها ممارسات شيطانية بدائية تبرّر تمدينهم بالقوة ونهب بلادهم واحتلالها وتسهيل قتلهم، بينما وُسمت الديانات الأفريقية التقليدية بالشعوذة لتسهيل استعباد أصحابها وإخضاعهم ثقافياً.
المسيحيون الأوائل في روما اتُّهموا بطقوس أكل لحوم البشر نتيجة سوء فهم رمزي لشعيرة القربان، كما تعرّض اليهود في أوروبا لفرية الدم التي صوّرت شعائرهم الدينية كجرائم سرية تستدعي الاضطهاد، وخصوصاً فرية عجن الطحين بدم أطفال الأغيار لصناعة المصّة، وهو الخبز غير المختمر.
الآلية تكاد تكون واحدة في كل تلك الحالات.
يُنتزع الطقس من معناه الروحي، ويُعاد تفسيره وتحوّل الشعيرة إلى دليل اتهام، ويصبح استهداف أصحابها وممتلكاتهم عملاً مبرراً.
شيطنة العقيدة أداة سياسية تُستخدم حين يُراد تحويل جماعة بشرية إلى خطرٍ رمزي يسهل إقصاؤه أو الاعتداء عليه.
لو كان الشهر بذاته سبباً للعنف لشهدنا اضطرابات كونية، ولكننا لا نرى «اضطرابات رمضانية» إلا حيث يوجد احتلال وصراعات سياسية وحروب أهلية.
كذلك رأيناها بين أبناء العقيدة الواحدة حيث جرت تفجيرات في أمكنة مكتظة وحتى خلال أداء صلاة التراويح كما حدث في العراق وفي سوريا وأفغانستان، خلال الحرب الأهلية والصراعات السياسية.
خطاب الاحتلال وإعلامه شيطن كلمتَي «الله أكبر» حتى صار الهتاف بها رديفاً للعنف، كما يقال «هايل هتلر» لدى النازيين.
«الله أكبر» باتت مقولة تعني العنف وإراقة الدماء، لكنها في الواقع تعكس قناعة خالصة لدى المسلم بأن العدوان مهما طغى وتجبّر وملك من الأسلحة التدميرية المتقدمة وما لا يحصى من أموال، فإن هناك من هو أقوى منه، ومن هو قادر على قهره ومعاقبته، وأنه سيكافئ المسلم على صبره، وأنه قادر على نصرته ولو بعدد وعتاد قليل.
«الله أكبر» صرخة تطلق أيضاً في وجه كل ظالم حتى وإن كان ينتمي للدين الإسلامي نفسه.
رمضان ضحية للاحتلال مثل بقية أشهر وأيام السنة وطيلة ساعات النهار والليل، لا تمر ثانية من غير عدوان ما دام الاحتلال قائماً.
ولكنه يصبح أشد وطأة واستفزازاً عندما يمارس في مناسبة مقدّسة مثل رمضان وضد الصائمين.
في أعوام سابقة، شهد المسجد الأقصى اقتحامات واسعة من قبل قوات الاحتلال واندلاع مواجهات عنيفة في ساحاته، وتحولت ليالي التراويح في رمضانات كثيرة إلى ساحات اشتباك، وسقط مئات الجرحى من المصلين.
وكثيراً ما تداولت وسائل الإعلام صوراً لمصلين مقيّدي الأيدي داخل أقدس أماكنهم، ولمعتكفين أخرجوا بالقوة من المسجد في شهرهم هذا.
وبعضها أثار موجة إدانات دولية أكثر من مرة.
في موازاة ذلك، تتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بالذات خلال رمضان، عبر اقتحام القرى، وحرق المركبات، والاعتداء على المزارعين وممتلكاتهم، في مشاهد باتت متكررة على مدار الأشهر الهجرية والميلادية والعبرية.
وكم أقيمت موائد إفطار في غزة تحت أصوات الانفجارات، وانتهت بتشييع الشهداء ونقل الجرحى إلى المستشفيات.
الخطاب الذي يعلن الاستعداد لرمضان باعتباره شهراً خطِراً، هو نفسه الذي يضع الحواجز في الطرق المؤدية إلى أماكن العبادة، وهو يعرف ويخطط لهذه الحواجز، كي تكون سبباً للاحتكاكات والاستفزازات والقمع.
الاحتلال يَفرض على الضحايا المظلومين واقعاً يرغمهم على مقاومته في وسائل شتى، وليس فقط في رمضان بل طيلة أيام السّنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك