يقف المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية من الحرم القدسي الشريف في مدينة القدس المحتلة جسدًا معماريًا مهيبًا، تتجلّى فيه روح التاريخ بكل ما تحمله من قداسةٍ ورسوخ.
ويقع المسجد فوق ساحةٍ واسعة، محاطًا بأروقةٍ وأبوابٍ حجرية تفضي جميعها إلى نورٍ واحد؛ نور الأماكن التي أحبّها الأنبياء، وخطّت فيها أقدامهم دعاءً وسكينة.
وتتقدّم واجهة المسجد بخطوط أموية رصينة، حيث تمتدّ الأقواس السبعة كأذرع مفتوحة ترحّب بالقادمين.
أما حجارة الواجهة بلون رمليٍّ دافئ، فقد اكتسبت على مرّ القرون مسحةً من العتق والوقار.
وتخترق السماء القبةُ الرصاصية الرمادية التي تميّز المسجد القبلي؛ قبةٌ بسيطةُ المظهر، عظيمةُ الدلالة، ليست مجرّد غطاءٍ معماري، بل علامة تذكّر بأن هذا المكان كان أولى القبلتين للمسلمين.
وما إن يعبر الزائر أبواب المسجد الأقصى حتى يدخل عالمًا آخر، مشبعًا بالسكينة والهيبة؛ كأنّ الهواء في الداخل يختلف عن هواء الخارج، وكأنّ كل خطوة تقوده إلى عمق من الروحانية لا يُدرَك إلا بالتجربة.
ويمتدّ الفضاء الداخلي في رحابةٍ هادئة، تظلّله صفوفٌ من الأعمدة الضخمة الملساء، تبدو في صمتها كحرّاس الزمن؛ ثابتة منذ مئات السنين، لا تتزعزع.
وتتنوّع ألوان الأعمدة الرخامية بين الرمادي والأصفر الفاتح، وتحمل فوق رؤوسها تيجانًا حجريةً منقوشةً بزخارف هندسية دقيقة، تربط بينها أقواسٌ عالية ترفع السقف كأنها تدفعه نحو السماء، وتغرس في قلب الداخل شعورًا بأن المكان أكبر من حدوده المادية، وأن الروح تجد فسحتها في العلو.
المسجد الأقصى.
عبق التاريخ العالق في الجدران.
أما السقف الخشبي، فهو لوحةٌ فنيةٌ بحدّ ذاته؛ حيث يزدان بزخارف نباتية وهندسية رقيقة، وألوان ترابية تمنحه عمقًا وروحًا شرقية أصيلة.
وفي عمق الجدار الجنوبي ينتصب المحراب بفتحةٍ نصف دائرية، محاطًا برخامٍ ناصع ونقوشٍ دقيقة تُظهر مهارة الأمويين الذين شيّدوه.
إنه ليس مجرد علامة للقبلة، بل شاهدٌ على تاريخ طويل من السجود الممتد من القدس إلى مكة.
وبجوار المحراب يعلو المنبر بوقاره وشموخه؛ بعدما أُعيد بناؤه تكريمًا لمنبر صلاح الدين، وهو يشكل قطعة من الفن ترمز إلى العلم والبيان.
فقد صُنع من الخشب المحفور، وتتداخل فيه الخطوط العربية والزخارف الهندسية في انسجام فريد، يجعله أثرًا ينطق بالجمال والبلاغة.
وفي داخل المسجد الأقصى لا يُقاس الجمال بالحجارة وحدها، بل بالسكينة التي تستقبل الداخلين؛ التي تأتي من صمت الأعمدة، ومن انسجام الضوء، ومن عبق التاريخ العالق في الجدران، ومن شعورٍ غامر بأنك في المكان الذي كان أولى قبلة المسلمين، ومسرى النبي، وملتقى الصلوات التي لا ينقطع نورها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك