في" رمضان.
هنا" نقترب كل مساء من تفصيلة صغيرة في هذا الشهر: طقس، حكاية، مشهد، أو سؤال يمرّ في لياليه سريعًا.
لا وصفات ولا خطب، بل محاولة لالتقاط نبض المدن في زمنٍ مختلف.
في ليالي رمضان، لا يختلف ضوء الشوارع فقط، بل يختلف معنى الضوء نفسه.
فجأةً، تتحول الأزقة والأحياء إلى مساحات معلّقة بين الحنين والاحتفال.
وتتدلّى مصابيح صغيرة من الشرفات، وهلالٌ مضيء فوق محلّ قديم، وأسلاك أضواء تلتفّ بين البيوت كأنها خيوط زمن آخر.
لكن زينة رمضان لم تكن دائمًا كما نراها اليوم.
ما بدأ بفانوس بسيط يحمل شمعة، صار اليوم مشهدًا رقميًا متكاملًا، تبرمجه البلديات، وتتنافس فيه المجمّعات التجارية.
يربط مؤرخون تقليد الفانوس بالعصر الفاطمي في مصر، وتحديدًا بالرواية الشهيرة التي تقول إنّ أهل القاهرة خرجوا ليلًا لاستقبال الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، حاملين فوانيس مضاءة لتضيء الطريق.
وتتناول دراسات في التراث الشعبي المصري تاريخ الفانوس بوصفه جزءًا من الثقافة الرمضانية في القاهرة القديمة.
وكانت الفوانيس تصنع من الصفيح والزجاج الملوّن، وتُضاء بالشموع قبل أن تدخلها المصابيح الكهربائية لاحقًا.
وتذكر دراسات عن الحياة الاجتماعية في القاهرة الفاطمية أن الفانوس لم يكن في بداياته رمزًا للأطفال، بل كان وسيلة عملية للإضاءة في شوارع تفتقر إلى الإنارة العامة.
ولاحقًا، تحوّل الفانوس إلى عنصر احتفالي مرتبط بالشهر الكريم، وصار رمزًا احتفاليًا أكثر منه أداة إنارة.
في أحياء كثيرة من المدن العربية، كانت الزينة تُصنع يدويًا: أوراق ملوّنة، أهلّة من كرتون، مصابيح بسيطة تُعلّق بين منزلين متقابلين.
ولم تكن البلديات مسؤولة عن المشهد، بل السكان أنفسهم.
وكانت الزينة إعلانًا غير مكتوب عن قدوم رمضان.
من يعلّق الهلال أولًا؟ من يزيّن شارعه أكثر؟ منافسة ودّية تُعيد تعريف الحيّ كمساحة مشتركة.
ومع دخول الكهرباء الحديثة، ثم أشرطة الإضاءة الجاهزة، بدأت الملامح تتغير؛ فأصبح الضوء أقوى، وألوانه أكثر تنوّعًا، لكن شيئًا من العفوية خفّ.
وفي العقدين الأخيرين، انتقلت الزينة من الأزقة الشعبية إلى المراكز التجارية.
حيث تصاميم ضخمة، ومجسمات ثلاثية الأبعاد، وأنظمة إضاءة مبرمجة.
ونقل ذلك زينة رمضان من مجرد احتفال، إلى جزء من مشهد استهلاكي.
كما تحوّل الفانوس أيضًا من قطعة معدنية تُصنع في ورشة صغيرة إلى منتج صناعي مستورد، وأحيانًا إلى شاشة رقمية تعكس ألوانًا متحركة.
في مدن عربية كثيرة، لا تزال أحياء شعبية تحافظ على الزينة اليدوية، فيما تتزيّن المراكز التجارية بالإضاءات الحديثة.
وبين المشهدين، تتشكل صورة رمضان المعاصر: مزيج من التراث والحداثة.
وبغض النظر عن أي المشهدين أجمل: الجديد أم القديم، يبقى السؤال مطروحًا عما إذا كان فانوس رمضان لا يزال يحمل المعنى نفسه.
ربما لم يتغيّر ضوء الفانوس بقدر ما تغيّر مفهوم الاحتفال.
ففي الماضي، كانت الزينة فعل مشاركة، أما اليوم، فكثير منها قرار تنظيمي أو حملة تسويقية.
ولا يعكس هذا التحوّل تطورًا تقنيًا فحسب، بل تغيرًا في علاقة الناس بالفضاء العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك