يقترح مشروع قانون في البرلمان التونسي اعتماد اللغة الإنكليزية لغة أساسية ثانية، والتدرج في جعلها لغة التدريس المعتمدة في الجامعات باعتبارها تطغى على غالبية البحوث العلمية.
تتجه الأنظار في تونس إلى مشروع القانون الذي يناقشه البرلمان حالياً ويهدف إلى تعزيز تدريس اللغة الإنكليزية التي أصبحت لغة العلوم والتكنولوجيا والتواصل الدولي، وجعلها لغة ثانية أساسية إلى جانب العربية، في خطوة قد تعيد رسم ملامح سياسة التعليم في البلاد بعد عقود من هيمنة اللغة الفرنسية.
ويحدد مشروع القانون السبب الرئيس في الانتقال إلى الإنكليزية لغةً أساسية ثانية بأنها مهمة لتسهيل إدماج خريجي الجامعات في سوق العمل في ظل ما تشهده اللغة الفرنسية من تراجع على المستوى الدولي.
وتصنّف تونس ضمن الدول الفرنكوفونية، وقد ارتبطت مكانة اللغة الفرنسية في تونس بفترة الحماية الفرنسية بين عامي 1881 و1956، حين أُدخلت منظومة تعليم حديثة تعتمد الفرنسية لغة تدريس أساسية في المدارس الجديدة بهدف إعداد كوادر إدارية وتقنية قادرة على العمل ضمن المؤسسات الحديثة.
ورسخت هذه السياسة حضور الفرنسية باعتبارها لغة الإدارة والعلم والارتقاء الاجتماعي.
وبعد الاستقلال سعت الدولة التونسية إلى تعريب التعليم تدريجياً، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن الفرنسية ظلت حاضرة بقوة خصوصاً في تدريس العلوم والتخصصات التقنية، ما جعل النظام التعليمي التونسي ثنائي اللغة إلى حدّ كبير.
يقول عضو البرلمان عصام شوشان لـ" العربي الجديد": " يهدف النواب الذين قدموا مشروع قانون اعتماد اللغة الإنكليزية كلغة أساسية ثانية إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية في ما يتعلق بلغات التدريس من أجل تسهيل نفاذ الطلاب إلى المنصات العلمية والدولية التي تعتمد الإنكليزية بالدرجة الأولى".
يتابع: " تغيير المناهج الدراسية والتخلي عن الفرنسية كلغة ثانية قرار سياسي بامتياز، لكن يمكن أن تقرّه مبادرات تشريعية تهتم بالمصلحة الأفضل للطلاب، علماً أن الفرنسية لغة تتآكل في العالم، وباتت لا تساعد في تحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي".
ويتحدث عن أن" المبادرات الفردية للتحوّل إلى اللغة الإنكليزية توسّعت في صفوف الشباب الذين يكتسبون المعارف بوسائلهم الخاصة في وقت لا تزال المناهج الدراسية الرسمية جامدة".
وخلال السنوات الأخيرة اتجهت مؤسسات تعليمية خاصة في تونس إلى زيادة الاعتماد على مناهج تدريس باللغة الإنكليزية استجابة لاحتياجات سوق العمل، بينما حافظت غالبية المناهج الدراسية الحكومية على الفرنسية رغم محاولة بعض الكليات تخصيص أقسام للتدريس بالإنكليزية.
وترافق ذلك مع ظهور مؤشرات لتنامي الاهتمام باللغة الإنكليزية في تونس، سواء في الجامعات أو سوق العمل أو حتى الثقافة الشعبية، وبدأت مؤسسات جامعية في اعتماد برامج باللغة الإنكليزية، وربط كثير من الشباب بين إتقانها وفرص العمل الدولية والابتكار العلمي.
وعكس هذا التحوّل تزايد إدراك أهمية الإنكليزية لغةً عالمية للبحث العلمي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا، حيث تُستخدم على نطاق واسع في الإنترنت والتواصل الدولي، ما جعلها أداة أساسية للاندماج في الاقتصاد العالمي.
ويرى مؤيدو مشروع القانون أن تعزيز تدريس الإنكليزية قد يحقق أهدافاً عدة أبرزها تحسين فرص العمل، إذ تُعّد الإنكليزية لغة أساسية في الشركات والقطاعات التكنولوجية، وأيضاً دعم البحث العلمي باعتبار أن معظم المراجع العلمية الحديثة منشورة بالإنكليزية، ما يسهّل الوصول إلى المعرفة.
كما يعتبر البعض أن هذه الخطوة تمثل تحرراً تدريجياً من الإرث الاستعماري اللغوي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعدد اللغوي الذي يميّز المجتمع التونسي.
ورغم أهمية مشروع القانون سيواجه تطبيقه في حال إقراره مجموعة تحديات أولها نقص مدرّسي الإنكليزية ذوي المستوى المتقدم، ما يحتم تطبيق برامج تكوين وتأهيل طويلة المدى.
كما يجب تحديث المناهج والكتب المدرسية وتطوير أساليب التدريس كي تواكب المعايير الدولية.
ويؤكد رئيس جمعية جودة التعليم الباحث سليم قاسم، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن" الإنكليزية مهمة لأنها لغة العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي والإعلام العالمي والثقافة المعاصرة، كما من الضروري إتقانها ليس باعتبارها مادة مدرسية فقط، بل أداة استراتيجية للتواصل وتحصيل المعرفة وإنتاجها، ولا مفر من ذلك".
يضيف: " لم يكن اختيار اللغة الفرنسية اعتباطياً بعد استقلال تونس، ولم يخضع لمزاج سياسي ضيّق، فالمنظومة التربوية التي نشأت حينها كانت تبحث عن أدوات لبناء مدرسة حديثة منفتحة على المعارف والتجارب الكونية، ثم غيّرت التحوّلات الجيوسياسية والعلمية والاقتصادية التي شهدتها العقود الماضية موازين اللغات ووظائفها، وفي السياق التونسي أصبحت اللغة الفرنسية أقرب إلى ضريبة حرب تثقل الكواهل أكثر مما تمنح امتيازات تنافسية، لذا تبدو الدعوة إلى دعم مكانة الإنكليزية في المنظومة التربوية منطقية وتتناغم مع اختيارات الأجيال الصاعدة التي حسمت أمرها منذ سنوات وانخرطت عبر الفضاء الرقمي والثقافة الشبابية في المجال الأنغلوساكسوني على نطاق واسع".
ويستدرك قاسم بأنه" لا يمكن اختزال هذا التحوّل الاستراتيجي في قانون جديد، فاللغات لا تنتقل بمرسوم ولا تتغيّر المنظومات بجرّة قلم.
من هنا ليس المطلوب إقرار نص قانوني معزول، بل إطلاق مشروع وطني متكامل يضبط الرؤية والأهداف والجدول الزمني، ويؤمّن انتقالاً سلساً ومدروساً من الفرنكوفونية إلى الأنغلوساكسونية من دون ارتجال أو صدمات غير محسوبة.
ويحتم هذا الانتقال الاستثمار جدياً في الموارد البشرية عبر تكوين المدرسين في شكل جيد وإعادة تأهيل الكوادر الموجودة ومراجعة المناهج والكتب المدرسية، وضبط معايير دقيقة للمتابعة والتقييم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك