أعاد المسلسل الرمضاني «اللون الأزرق» فتح باب النقاش حول مرض طيف التوحد، بعد الإشارة إليه ضمن أحداث العمل الدرامي، حيث يرصد رحلة الأم والأب ومعاناتهم في مواجهة المجتمع، والمشاكل التي يتعرض لها الطفل المصاب.
وهو ما لفت أنظار قطاع واسع من الجمهور إلى هذا الاضطراب النمائي الذي لا يزال يحيط به كثير من الغموض وسوء الفهم.
وتُعد الدراما وسيلة مؤثرة في تصحيح المفاهيم، خاصة حين تتناول قضايا إنسانية تمس الأطفال والأسر بشكل مباشر، كما هو الحال مع اضطراب طيف التوحد.
اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يؤثر في طريقة تواصل الفرد وتفاعله الاجتماعي، إضافة إلى أنماط سلوكية متكررة أو اهتمامات محدودة، وذلك وفقًا لموقع OnlyMyHealth.
ويُستخدم مصطلح «طيف» لأن الأعراض ودرجات شدتها تختلف من شخص لآخر، فهناك من يحتاج إلى دعم بسيط في حياته اليومية، وآخرون يحتاجون إلى دعم مكثف ومتابعة مستمرة.
وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن American Psychiatric Association، فإن التشخيص يعتمد على محورين أساسيين: صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي، وأنماط سلوك واهتمامات مقيدة أو متكررة.
وقد يتم تشخيص الطفل في سن مبكرة، أحيانًا قبل عمر الثلاث سنوات، إذا كانت العلامات واضحة.
أسباب التوحد.
بين الوراثة والبيئة.
حتى الآن، لا يوجد سبب واحد محدد لاضطراب طيف التوحد، لكن الأبحاث تشير إلى تداخل عوامل وراثية وبيئية.
وقد أوضحت World Health Organization أن التوحد لا يرتبط بطريقة تربية الطفل أو ببرود عاطفي من الوالدين، وهي خرافة قديمة ألحقت أذى نفسيًا كبيرًا بالأسر.
العوامل الوراثية تلعب دورًا مهمًا، إذ تزداد احتمالية الإصابة إذا كان هناك فرد في العائلة مصاب بالطيف.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن مضاعفات الحمل أو الولادة، أو التقدم الكبير في عمر الوالدين، قد تكون عوامل مساعدة، لكن لا يمكن اعتبارها أسبابًا مباشرة.
تختلف الأعراض من طفل لآخر، لكن هناك إشارات مبكرة قد تستدعي استشارة مختص، مثل:
تأخر في النطق أو غياب اللغة المنطوقة.
عدم الاستجابة عند مناداة الاسم.
الانشغال المتكرر بحركات معينة، مثل رفرفة اليدين أو الدوران.
مقاومة التغيير والتمسك بروتين ثابت.
ومن المهم التأكيد أن وجود عرض أو اثنين لا يعني بالضرورة إصابة الطفل بالتوحد، فالتشخيص يتم عبر تقييم شامل يقوم به فريق متخصص يضم طبيبًا نفسيًا أو أخصائيًا في طب الأطفال وأخصائي تخاطب.
الإشارة إلى طيف التوحد في «اللون الأزرق» تعكس تحولًا مهمًا في تناول الدراما العربية لقضايا الاضطرابات النفسية والنمائية، بعد سنوات من التهميش أو التناول السطحي.
فالطفل أو المراهق الذي يعيش مع التوحد ليس «غريبًا» أو «منعزلًا بطبعه»، بل هو شخص لديه طريقة مختلفة في إدراك العالم.
الدراما حين تطرح هذه القضايا بشكل إنساني، تساهم في تقليل الوصمة الاجتماعية، وتشجع الأسر على طلب الدعم المبكر بدلًا من الخوف أو الإنكار.
فالكثير من العائلات قد تتأخر في التشخيص بسبب الخجل أو الخشية من نظرة المجتمع.
لا يوجد «علاج شافٍ» يقضي على التوحد، لأنه ليس مرضًا عابرًا، بل حالة نمائية تستمر مدى الحياة.
لكن التدخل المبكر يحدث فارقًا كبيرًا في تحسين مهارات الطفل اللغوية والاجتماعية والسلوكية.
جلسات التخاطب لتحسين مهارات التواصل.
العلاج الوظيفي لتنمية المهارات الحياتية.
وقد أظهرت تجارب كثيرة أن الأطفال الذين يتلقون دعمًا مبكرًا ومنظمًا يحققون تقدمًا ملحوظًا، وقد يندمج بعضهم في المدارس العادية مع توفير دعم مناسب.
دور الأسرة.
بين الصدمة والاحتواء.
تلقي خبر التشخيص يمثل صدمة نفسية لكثير من الأسر، خاصة الأمهات، اللاتي قد يشعرن بالذنب أو الحيرة أو القلق على المستقبل.
وهنا يبرز دور الإرشاد الأسري في مساعدة الوالدين على تقبل الواقع، والانتقال من مرحلة الإنكار إلى مرحلة الفعل الإيجابي.
الدعم العاطفي للطفل لا يقل أهمية عن الجلسات العلاجية.
فالاحتواء، والروتين المنظم، والتواصل الهادئ، واستخدام أساليب تعليم مناسبة لقدرات الطفل، كلها عوامل تصنع فارقًا حقيقيًا في جودة حياته.
من أبرز التحديات التي تواجه المصابين بطيف التوحد هي صعوبة الاندماج في المجتمع، سواء في المدرسة أو في بيئة العمل لاحقًا.
لذلك، فإن نشر الوعي عبر وسائل الإعلام، كما حدث في «اللون الأزرق»، يسهم في خلق بيئة أكثر تفهمًا.
يحتاج الأطفال على الطيف إلى معلمين مدربين، ومدارس تراعي الفروق الفردية، ومجتمع يتقبل الاختلاف بدلًا من السخرية أو التنمر.
كما أن بعض المصابين بالتوحد يمتلكون قدرات مميزة في مجالات مثل الرياضيات أو الموسيقى أو الرسم، وهو ما يستدعي اكتشاف مواهبهم وتنميتها بدل التركيز فقط على التحديات.
تسليط الضوء على طيف التوحد في الدراما الرمضانية يحمل رسالة إنسانية مهمة: الاختلاف لا يعني النقص.
فكل طفل يستحق فرصة عادلة للنمو والتعلم والحب، مهما كانت التحديات التي يواجهها.
ويبقى الوعي المجتمعي هو الخطوة الأولى نحو الاحتواء الحقيقي.
فحين نفهم طبيعة اضطراب طيف التوحد، ونبتعد عن الأحكام المسبقة، نكون قد خطونا خطوة كبيرة نحو مجتمع أكثر رحمة وعدالة، لا يُقصي أبناءه المختلفين، بل يمنحهم المساحة التي يستحقونها ليعبروا عن أنفسهم بطريقتهم الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك