أصدر الموسيقي والباحث هيّاف ياسين، رئيس قسمي الموسيقى العربية والعلوم الموسيقية في الجامعة الأنطونيّة (لبنان)، سلسلةً من مقاطع الفيديو القصيرة بعنوان" الوحدة السائرة" رفعها على قناته الخاصة في منصة يوتيوب وحساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
يتعرّف المستمعون من خلالها، بالصوت والصورة، إلى نمطٍ ثنائيٍّ بسيطٍ وشائعٍ في الإيقاع الشرقي العربي، يُؤدّى على الآلات القرعية التقليدية: الدف والطار والطبلة، مُرفقاً برسومٍ توضيحيةٍ تُظهِر الرموز التدوينية المتعلّقة.
ينضوي الإصدار تحت مظلّة ما بات يُعرف باسم صناعة المحتوى، الذي صار يعجّ به الإنترنت، وأصبح من أهم مظاهر مشاع المعرفة في القرن الحادي والعشرين وحقبة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ لم يعد هناك من خبرةٍ إلا ويمكن اكتسابها، ولا مهارةٍ إلا ويمكن تعلّمها، بمجرّد تصفّح تلك الملايين من الفيديوهات التعليمية والتثقيفية في كل الحقول والميادين، والموجّهة إلى جميع الفئات العمرية، بمختلف المستويات الفكرية والاجتماعية، وبكل اللغات.
أصبحت صناعة المحتوى الرقمي، على الأخص في المنطقة الناطقة بالعربية، تحظى برعاية المؤسّسات والمنظمات المحلّية والإقليمية والدولية، الربحية منها وغير الربحيّة، تلك التي تُعنى بالإعلام والثقافة، وباتت توفّر الدعم بصيغٍ متعددة، منها المالية لتغطية تكاليف الإنتاج الفنّي، بعد أن أخذت تزداد بشدّة مع ازدياد المنافسة بين المحتويات المرفوعة وارتفاع معايير جودتها ونوعيّتها؛ إذ إن عهد البدايات قد مضى، حين كانت الرداءة مقبولةً، وكان الصُنّاع بمعظمهم هواةً قد حوّلوا منازلهم إلى استوديوهات، ولا سيما في فترات الحجر الصحّي خلال جائحة كوفيد-19، وأخذوا يُنتجون فيديوهاتهم بأنفسهم وبالأدوات التقنية المتاحة، وفق مبدأ" اصنعه بنفسك" (DIY)، من إضاءةٍ وصوتٍ وتصميمِ رسوماتٍ.
ولئن كان بإمكان نسبةٍ كبيرةٍ من صُنّاع المحتوى الناطقين بالإنكليزية، وخصوصاً في الولايات المتّحدة وبريطانيا، بلوغ مستوى ضخمٍ من الإيرادات خلال العقدين الماضيين، أمّن لهم الاكتفاء الذاتي لجهة تغطية تكاليف الإنتاج وتطويره، فضلاً عن جني أرباحٍ طائلةٍ، فإن ذلك مرتبطٌ بكون لغة تواصلهم مع مشاهديهم ومستمعيهم عابرةً للحدود، ما أدى بمنتجاتهم إلى أن تتعولم ويصير لها متابعون من كل أنحاء الكرة الأرضية.
أما المحتوى الناطق بالعربية، فيتوجّه بالضرورة إلى فئةٍ ديمُغرافيةٍ محددةٍ، لا تكفي إلا في حالات نجاحٍ استثنائيٍّ لتوليد نسب متابعةٍ قادرةٍ على تحقيق إيراداتٍ مرتفعةٍ، الأمر الذي يستدعي في أغلب الأحيان دخول جهاتٍ داعمةٍ على خط التمويل، منها قنواتُ بثٍّ فضائيٍّ كلاسيكيةٍ، لتمكين المُنتج من أن يصير أهلاً للمنافسة، سواء من باب الاستثمار أو الرعاية الإنتاجية.
ومن أشكال الدعم أيضاً تلك الماديّة غير المالية بالضرورة، والمُتعلّقة بتهيئة الظروف الرياديّة لانطلاق مشاريع صناعة المحتوى العبر-مناهجيّة متعدّدة الوسائط.
ووفق هيّاف ياسين، فقد وُلد مُقترح" الوحدة السائرة" من وحي ورشة عمل موسّعة عقدتها لجنة الموسيقى الخاصة بالمركز التربوي للبحوث والإنماء (CRDP)، المرتبط مباشرة بوزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية؛ وكان الهدف منها إيجاد حلولٍ بديلةٍ لنشر الثقافة الموسيقية بين الناشئة، عبر لغةٍ تربويةٍ عصريةٍ وجذّابةٍ تصل إليهم ويُقبلون عليها.
ما يُميّز الإصدار عن غيره من المحتوى على" يوتيوب"، جمعه لخصائص كلٍّ من المادة التربوية والعمل الفني المفاهيمي السمعي البصري، وعليه بات من الممكن اعتباره عملاً فنياً موسيقياً يميل إلى شكل الألبوم المرفوع أونلاين بطريقة Playlist.
فقد اختار صاحب المشروع، هيّاف ياسين، ألا تحتوي السلسلة على شروحاتٍ شفويةٍ مطوّلة، بل أن تقتصر على فيديو كليب بالغ القصر يصلح لأن يُتداول بوصفه مقطع" رييل" على" إنستغرام"، صوّرته تغريد عبد الفتاح تحت إضاءةٍ سينمائيةٍ، تظهر فيه يدا كل عازفٍ على حدة وهما تقرعان آلةً إيقاعيةً من الآلات الثلاث، فيما يُسمع صوتٌ مُسجّل (Voice Over) يردّد الرموز التدوينية المعمول بها على وقع الضربات.
يُشير اسم" الوحدة السائرة" إلى الهيكل البدئيّ للإيقاع المشرقي السائد في المنطقة الناطقة بالعربية، إضافةً إلى تركيا وإيران، الذي يتألّف من ثلاثة عناصر أوّلية: الضربة الثقيلة المصطلح عليها بـ" دُم"، والضربة الخفيفة" تَك"، والسكتة أو السكون ويُعبّر عنها بلفظ" إس".
تسير تلك الوحدة الإيقاعية، بشكلها البسيط، ووفق مدارٍ لولبيٍّ على المسار الزمني للمقطوعة أو الأغنيّة، ثم تُضاف إليها الزخارف في أغلب الأحيان، لتتوالد عن الصيغة الأولى تنويعاتٌ تتعدّد بعدد العازفين وسعة خيالهم.
وقد اكتفت السلسلة باقتراح 26 تنويعاً محتملاً لتكون بمثابة نماذج أوّليةٍ تُلهم المتلقي الإتيان بنفسه بمزيدٍ من الأنماط، وذلك بعد استيعابه وتشرّبه النواة الهيكلية الناظمة للإيقاع.
يحظى كل تنويعٍ من التنويعات بمقطع فيديو مستقل، يتألّف من عدة لقطاتٍ تتناوب فيما بينها، إذ تعرض كل لقطةٍ آلةً إيقاعيةً واحدة، تارةً الدف، وتارةً الطار أو الطبلة.
وبين الحين والآخر، قد لا يبدو واضحاً للأذن ما إذا كانت الآلات الثلاث قد سُجّلت وهي تُقرع معاً أو سُجّلت منفردةً، ما جعل الصوت الصادر عن لقطةٍ من اللقطات غير مُطابقٍ بالضرورة للآلة الإيقاعية المعروضة خلالها.
وأما لأجل الجماليّة السينمائية، فقد اعتُمِدت الضربة الإيقاعية الثقيلة" دُم" نقطةَ قصٍّ تُسيِّر عملية المونتاج، وعليه إحداثية انتقالٍ من لقطةٍ إلى لقطة، ومن آلةٍ إلى آلة، الأمر الذي جعل إيقاع الصورة ينتظم بدوره على وقع الوحدة السائرة ليترك أثراً سائغاً على دفق الفيديو.
إن مفاهيميّة سلسلة" الوحدة السائرة" (أي المقاربة الفنّية للشكل والوظيفة)، وتعليميّتها (أي الفائدة العلميّة المباشرة التي تعمل على إيصالها إلى المُتلقّي)، تجعلانها نموذجاً مختلفاً لصناعة المحتوى في ظلّ حالةٍ من الإشباع غير المسبوق بات الإنترنت يتّصف بها.
غير أن هذا الاختلاف ليس سوى أثرٍ جانبيٍّ لغايةٍ أخرى أكثر عمليّةً من ورائه، ألا وهي اصطياد انتباه الفئة العمرية الأصغر سنّاً، التي باتت تشعر، في ظل مشاع المعرفة وضيق مجال التركيز الذهني، بأنها لم تعد ترنو إلى مُعلّمٍ يُطيل الشرح متصدّراً الصورة، بل إلى الصورة ذاتها تشرح، مُرفقةً بالصوت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك