أبدأ بالقول إن الثابت في موضوع بناء المدينة، وفي ميزان التاريخ وعلاقته بالعمران، هو ذلك الذي اختار، بوعي وإيمان، وكذلك بانتماء، أن يدافع عن استمرارية الوطن بكافة حمولاته.
وسيظل الانتهازيون أقلية عددية، لكنها تمتلك أدوات التشويش وكثيرا من المناورات الدنيئة التي تهدف إلى تهميش حماة الذاكرة والدفع بهم إلى خارج منطقة التأثير على القرار.
حماة الذاكرة جماعة أو جماعات نذرت حاضرها ومستقبلها للسباحة ضد التيار، رغم قوة الانجراف، لكي لا يسود الانحراف ويصل إلى تملك القرار في مجال التعمير ومجالات شتى مربحة، والبعض منها تم عن طريق غسيل أموال وتشويه “عمل سياسي”.
ولا يمكن أن أبوح بما ضمنته هذه السطور دون أن أبدي إعجابي بمن يحاربون بؤس السياسة من أجل ترسيخ تاريخ المغرب.
“كتبتني” هذه السطور وأنا أتجول في مدينة قديمة “جريحة”، في جنح الظلام، رفقة مؤرخين يعلمون أن ذاكرة المكان لا تمحى.
زقاق آسفي التي يتم دفنها “باللافعل”، وبكثير من الجهل بالتاريخ، بل بنفي وجود الماضي رغم حضور الآثار، وبالكفر بكل ما تراكم من رأس مال مادي ولا مادي.
سمعت بكثير من التقدير لخبراء فضلوا الوطن على الاتجار بمقدراته التاريخية وبرأسماله المادي واللامادي.
جاءوا إلى آسفي من كافة أنحاء المغرب لكي يساهموا في إبراز دور تفاعل المجتمع المدني مع كل مشروع يهم مستقبل كل مدينة تريد أن تصمد في وجه أي تيار جارف تحمله خطابات تنفي كل الحمولات التاريخية للمكان.
سمعت مداخلات قوية بالعلم وبالتجربة المهنية العالية، تكاد تقدس حماية كل مكونات التراث المغربي الأصيل واحترام جذوره التي ترجع إلى قرون وقرون.
ولا يأتي هذا “التقديس” عبثا ولا حاملا لرسالة ذات طابع إيديولوجي.
إن الأمر، وما فيه، يتعلق بحرب ثقافية ضد منتفعين غاب عنهم علم، وغابت عنهم ثقافة، ودخلوا في غياهب الجهل بأهمية الرأسمال التاريخي المادي واللامادي.
التقى علماء المحبة العمرانية والتاريخية بمدينة آسفي التي “نعتها”، بعلم عميق، العلامة ابن الخطيب بذلك الاسم الحضاري حين سجل حضورها “كحاضرة للمحيط”.
لا يبالغ أهل آسفي حين يستحضرون مقولة ابن الخطيب حين تقهرهم الظروف القاسية على أهميتها، وحين يصبح من يتخذ القرار في تشكل العمران لا يتميز إلا بالجهل بالعمران وبالتاريخ، وبالانصياع لكل رسالة خارجية المنشأ وكافرة بكل حقب التاريخ وما أنتجته عقول العارفين.
نعم، أخشى على مدن المغرب ممن لهم علاقة بمعاداة الثقافة، ومن تألقوا إلى حد السيطرة على التصرف في المال العام وهم يشهرون سلاح جهالتهم أمام من يريدون خيرا بالوطن.
هؤلاء تصرفوا بعنف عقاري في مسار وادي الشعبة الذي يسكن قلب مدينة آسفي، فكانت النكبة التي أدت إلى إزهاق أرواح، وكان سبب جزء منها فيضانا كبيرا ومدمرا.
وكان المتسبب الأول فيه من رخص للفوضى العقارية، والذي خنق مسار مياه تدفقت اعتمادا على ذاكرة تخضع لقانون ينفذ بفعل معطيات متى ما اجتمعت وتراكمت تقول للمدينة “هذا حقي، دون ظلم، لكي أستعيد مساري إلى البحر”.
وسيظل الأغبياء يفسرون كل الخسائر البشرية والمادية بفعل التغيرات المناخية فقط.
وسيظل الجواب العلمي في فعل المسؤول المنتخب والترابي الذي يعلم بمكونات منطقة آسفي وما يحيط بموقعها من مخاطر تضخمت بسبب أخطاء سياسية وتدبيرية.
لا يمكن القول إن فيضانات مدينة آسفي لم تكن منتظرة.
لقد استولى كثير من “زعماء السيطرة على القرار العمراني”، ومن ضمنهم من لا يعلمون ويعتبرون من يعلمون مجرد مشوشين على مسيراتهم الناجحة في شراء الأصوات.
آسفي أول مدينة اهتم بهيكلتها ملك البلاد قبل عقدين من الزمن، ورصد لها ميزانية كبيرة تصرف فيها من كان لهم حقد دفين على الحضارة وعلى التاريخ وحتى على خلوة الإمام الجزولي الآسفية، حيث ولدت “دلائل الخيرات”.
حين أزور آسفي يسكنني أسف كبير.
أرى شارع الرباط، ذلك الذي كان يستنشق عطور باريس عبر الكتاب والسينما، يتحول إلى مجرد زنقة، أو بالأحرى دوار في قرية كانت تبعد عن هذه المدينة بقرن من الزمن.
ويجب القول، بكثير من الوعي، إن أولئك الذين حملتهم أحزابهم إلى قمة السلطة التي تقرر هم صنيعة من أخجل أن أسميهم أحزابا تريد أن تبني الوطن.
راعني ما قاله فاعل جمعوي اقتصادي بمدينة آسفي، وهو الحامل لمشاريع لزيادة الطلب السياحي على المدينة، إنه لم يعد يقوى على مواجهة أعداء التنمية للاستمرار في النضال من أجل التنمية بمنطقته.
وسأظل أقول، بكل صراحة وصدق، إن بلادنا يجب أن تحطم كل التحالفات الانتهازية التي لا تعتمد إلا على تحصيل الحد الأقصى من العمولات.
وتشكل هذه القوى خطرا استراتيجيا على الوطن أولا.
أصبح السماسرة، ولا أعني الوسطاء القانونيين في العمليات المحفزة للاستثمار، ولكن أولئك الذين لا هم لهم سوى دعم أعداء التنمية ببلادنا والاستمرار في استغلال كل الفرص بذكاء سلبي وانتهازي.
ولا يمكن أن ننجح في جعل مدننا العتيقة في موقع قوة في مواجهة عنيفة المرامي دون إشهار كافة أسلحة العلم بتاريخنا وبامتلاكنا لأدوات البحث التاريخي.
ولأن العلم يؤكد حقائق التلاعب بالمعمار، فقد وجبت محاسبة من استغلوا الاهتمام الملكي بحاضرة المحيط لكي يحولوا شارع الرباط إلى سوق شعبي لا علاقة له بتاريخه الجميل، ولكي يزرعوا كل مظاهر البادية في واقع المسار الذي كان جميلا بين باب الشعبة وساحة ضريح “بوذهب”.
لقد تم تسخير الأموال العمومية بفعل اهتمام ملكي كبير منذ سنين، وغاب تقييم النتائج الكارثية التي تسببت فيها نخبة لا تزال قراراتها حاضرة فيما أصاب هذه المدينة الكبيرة.
ولا يزال أبناء آسفي يحملون أملا كبيرا لحماية تاريخها عبر العمل على إعادة تأهيل المدينة العتيقة وقصر البحر وتحرير الواجهة البحرية التي حرمت المدينة من جزء مهم من أسرار جمالها فيما مضى من أيام خوال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك