وقال الجعفراوي في مستهل شهادته إن ما يتصوره الإنسان عن العذاب لا يرقى إلى حقيقته، مضيفا" أقصى ما يمكن أن يبلغه خيال الواحد منكم في التفكير في العذاب، حقيقة العذاب أكبر مما تتخيل".
وتابع أن الأسرى كانوا يقفون يوميا عند باب الزنزانة يتطلعون إلى السماء ويتمنون رؤيتها بلا سياج، في مشهد يلخص قسوة الأسر وحرمان الحرية.
وتحدث الجعفراوي عن الدمار الذي طال منازل عائلته في غزة، وأشار إلى أن بيوت العائلة لم يبق منها شيء، مؤكدا أن ما جرى لم يكن استثناء بل واقعا عاما عاشه أهالي القطاع تحت القصف.
وقدم نفسه باعتباره من سكان مدينة غزة، متزوجا وله ابنتان، يعمل إماما وخطيبا بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إضافة إلى عمله في المجال الإعلامي والدعوي.
وفي سرد تفصيلي ليوم اعتقاله، قال إن ذلك جرى فجر الاثنين 18 مارس/آذار 2024، عندما اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء بمدينة غزة، في حين كان يرقد على سرير المرض بانتظار إجراء عملية جراحية لاستئصال المرارة.
وأضاف أنه نُقل لاحقا إلى معتقل" سدي تيمان" في غلاف غزة، حيث أمضى قرابة 3 أشهر وصفها بأنها الأصعب في حياته، تعرض خلالها لتعذيب وإهانات وصنوف متعددة من المعاناة، قبل نقله إلى سجن عوفر ثم سجن النقب.
وأكد ناجي الجعفراوي أن الأسرى عاشوا في ظروف وصفها بأنها" رحم الموت"، حيث انعدمت أبسط مقومات الحياة من طعام وشراب وملبس ونظافة، مشيرا إلى أن أكثر ما كان ينهكهم هو" المجهول"، قائلا" كنا في حالة كاملة من المجهول، لا نعرف مصيرنا ولا حال أهلنا في غزة، معصوبي الأعين، مكبلي الأيدي، نجلس على وضعية واحدة أكثر من 18 ساعة يوميا".
وأضاف أنه لم يُعرض على محاكمة ولم توجه له أي تهمة، في حين كان القلق الأكبر ينهشه بشأن مصير عائلته في ظل المجاعة والقصف، متسائلا عن حال زوجته وبناته، وعن قدرتهم على الحصول على الطعام والدواء، ومعبرا عن ألمه العميق من فكرة أن يسمع أن أهله يعانون الجوع.
وتوقف الجعفراوي عند معاناة الجوع داخل السجون، وقال إنه لم يدرك معنى الاستعاذة من الجوع إلا خلف القضبان، موضحا أن الأسرى كانوا ينامون وبطونهم خاوية، دون أن يشعروا يوما بأنهم سدوا رمقهم.
كما وصف ظروف النوم القاسية، حيث الاستيقاظ على الضرب والضوضاء، والبرد الشديد في الشتاء مع تسرب المياه إلى الغرف، ما دفعهم إلى تفضيل النوم على الأرض على ما يسمى بالأسِرّة.
وكشف عن مشاهد صادمة لتعذيب أسرى آخرين، من بينهم شاب تعرض لتعذيب متعمد بعد سؤاله عن زوجته وأطفاله، وآخر مصاب بالسرطان جرى صعقه بالكهرباء رغم معاناته من ورم في الدماغ، ما أدى إلى إصابته بنوبات تشنج متكررة.
وقال الأسير الفلسطيني السابق إن اليأس بلغ بالأسرى مبلغه في الأشهر الأخيرة، قبل أن يأتي الفرج بشكل مفاجئ.
وروى تفاصيل الإفراج عنه، حيث نُقل مع أسرى آخرين إلى معبر كرم أبو سالم، ثم إلى الجانب الفلسطيني، مؤكدا أنه صُدم بحجم الدمار في غزة، ولا سيما في رفح، التي شبهها بمدينة غازي عنتاب التركية بعد الزلزال.
وأوضح أنه نُقل بعد ذلك إلى مستشفى ناصر في خان يونس، حيث تلقى أول خبر بعد الإفراج، وكان نبأ استشهاد شقيقه صالح الجعفراوي.
وقال إن الخبر كان صادما وقاسيا، إذ كان يتوقع أن يكون شقيقه أول من يستقبله، مضيفا أن فرحته بالخروج من الأسر دُفنت عند باب المستشفى.
وسرد ناجي الجعفراوي أثر استشهاد صالح على العائلة، خاصة على أطفاله، متحدثا عن تعلق بناته بعمهن، وعن الصدمة النفسية التي عاشوها بعد رحيله.
وأكد فخره بشقيقه الشهيد، قائلا إنه ترك رسالة مفادها أن الفخر سيكون حاضرا رغم الألم، وهو ما تحقق بالفعل.
وفي ختام شهادته، شدد الجعفراوي على الرسالة الأساسية للبرنامج قائلا" الأسرى ليسوا أرقاما، الأسرى بشر"، وأوضح أن لكل أسير حياة وآمالا وألما وعائلة تنتظره، داعيا إلى مواصلة الجهود للإفراج عن جميع الأسرى ولمّ شملهم بأهاليهم، معتبرا ذلك من أعظم القضايا الإنسانية التي يجب أن يسعى إليها كل إنسان حر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك