بعد سنوات على موت جيفري إبستين الغامض في زنزانته داخل أحد سجون ولاية نيويورك، فجّر نشر وزارة العدل الأميركية نهاية يناير/كانون الثاني الماضي ملايين الوثائق المتعلقة بقضية الخبير المالي المدان بارتكاب جرائم جنسية، موجةً من الأخبار الكاذبة والمعلومات المضلّلة، وفتح الباب أمام نظريات مؤامرة جديدة وأعاد إحياء أخرى قديمة، من أبرزها نظرية بيتزا غيت التي ظهرت لأوّل مرّة في عام 2016.
وطوال فبراير/شباط الحالي، انتشرت تحليلات ومزاعم لمستخدمين على منصات مثل" إكس" و" ريديت" لإثبات أن الوثائق المنشورة تؤكد صحّة نظرية بيتزا غيت، التي تدّعي أن كلمة" بيتزا" التي ظهرت في المراسلات ترمز إلى القاصرين الذين يتعرضون للاستغلال الجنسي، وذلك بعد سنوات على دحضها.
في عام 2016، ومع احتدام المنافسة بين دونالد ترامب.
وهيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأميركية، نشرت منصة ويكيليكس آلاف الرسائل المسرّبة من بريد مدير حملة كلينتون، جون بوديستا.
سرعان ما تحوّلت هذه الرسائل التنظيمية إلى محور اهتمام مروّجي نظريات المؤامرة، الذين ادّعوا من دون تقديم أدلة موثوقة إلى أن كلمة" بيتزا" الواردة فيها تشير في الحقيقة إلى الأطفال والقاصرين.
تشابك ذلك مع تفسيرات وتأويلات لعبارات واردة في الرسائل، لتكتمل النظرية وتصل إلى خلاصة مفادها أن هناك شبكة سرية للاتجار بالأطفال تدار من داخل قبو مطعم كومت بينغ بونغ للبيتزا في العاصمة واشنطن، يُحتجز فيه القاصرون.
انتشرت النظرية في البداية على مواقع مثل" 4 تشان" و" ريديت"، وتمدّدت سريعاً إلى الشبكات الاجتماعية الأكثر انتشاراً مثل" فيسبوك" و" تويتر" (" إكس" حالياً)، لتجذب آلاف المستخدمين المؤمنين بصحّتها.
بعد أسابيع قليلة، قرّر إدغار ولش البالغ من العمر 28 عاماً آنذاك أن يقود سيارته من ولاية نورث كارولاينا إلى العاصمة من أجل" تحرير الأطفال الذين يحتجزهم أعضاء في الحزب الديمقراطي" في قبو" كومت بينغ بونغ".
فعلاً، في الرابع من ديسمبر/كانون الأول، دخل الرجل المطعم مسلحاً ببندقية ومسدس، وأطلق عدّة رصاصات أصابت أماكن متفرقة من دون أن تؤدي إلى إصابات بشرية.
بعد توقيفه، أكّدت شرطة واشنطن غياب أيّ دليل على وجود أي ممارسات إجرامية داخل المنشأة، كما تبيّن أن المطعم لا يملك قبواً من الأساس.
أسهمت هذه الحادثة في تقويض جزءٍ من مصداقية" بيتزا غيت"، وأتت سلسلة من التحقيقات الاستقصائية التي نشرتها منصات إعلامية مختلفة مثل" نيويورك تايمز" و" واشنطن بوست" و" سنوبس" لتثبت بطلان ما وصفه مروّجو النظرية بأنها" أدلّة" على صحتها.
مع ذلك، لم يختفِ المقتنعون بهذه النظرية، بما فيهم ولش نفسه، الذي أبدى في مقابلة مع" نيويورك تايمز" من سجنه آنذاك، عن ندمه على سلوكه داخل المطعم، لكنّه أصر في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني عدم صحة ما يقولوه منظّرو المؤامرة.
مع مرور الوقت، ذاب مؤيدو" بيتزا غيت" ضمن مجموعة أوسع، تُعرف باسم" كيو آنون" التي انتشرت بدءاً من عام 2017 في الولايات المتحدة.
جذبت أفكار هذه المجموعة العديد من المحافظين على منصات التواصل الاجتماعي، وتقوم على فكرة تقول إن هناك نخبة عالمية، لا تقتصر على الولايات المتحدة فقط، تضمّ سياسيين ورجال أعمال ومشاهير، يؤدون طقوساً شيطانية، ويشاركون في اختطاف وتعذيب الأطفال وإدارة شبكات اتجار بالجنس حول العالم، مستفيدين من سلطتهم وعلاقاتهم لتجنب المحاسبة.
جاء نشر ملفات جيفري إبستين، التي تضمنت مراسلاته وصوره مع شخصيات بارزة في عالميّ السياسة والأعمال، لتعزّز النظريات حول" النخبة المنحلة أخلاقياً التي تسيطر على الكوكب"، وحوّلت الجميع إلى" منظّرين للمؤامرة" بحسب الكاتب في موقع ذا إنتليجنسر، سيمون فان زيلن وود، لافتاً إلى أن الناس" لم يكفيهم أن تكشف الوثائق آلية عمل النخبة غير الأخلاقية"، خاصةً أنها تضمنت الكثير من الاجتزاء والحجب، معتبراً أن ذلك أعاد الروح إلى نظريات المؤامرة، بما في ذلك تكهنات تقول بأن إبستين ما زال حيّاً.
خلال بحثهم في الوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأميركية، تنبّه مروجو نظريات المؤامرة إلى أن كلمة" بيتزا" وردت أكثر من 842 مرة بالمقارنة مع كلمة همبرغر التي لم تظهر سوى 190 مرة، ما دفعهم إلى الاعتقاد مرّة أخرى بأنها كلمة رمزية للاعتداء الجنسي على الأطفال، ومضوا أبعد من ذلك معتبري أنها دليل على صحة مزاعم" بيتزا غيت" القديمة.
لكن منصة سنوبس المتخصصة بالتحقق من المعلومات ومكافحة الشائعات على الإنترنت بيّنت في تقرير موسّعٍ صدر الاثنين، أن استخدام كلمة بيتزا في هذه الرسائل الإلكترونية والنصية لم يشر لشيء آخر سوى الطعام، موضحةً أن ذلك ما تظهره وثائق أخرى في ملفات القضية نفسها.
أشار التقرير إلى أن المستخدمين اعتبروا أن رسالة بريد إلكتروني بعنوان U9 Red pizza party، ترمز إلى حفلة يتخلّله شرب دماء أطفال دون التاسعة، لكنّ رسائل أخرى بيّنت أنه في الحقيقة يشير إلى فريق كرة قدم للناشئين يتعلّق بمساعدة إبستين، ليزلي غروف، من بينها تذكير بمواعيد مباريات مختلفة وخططاً لإقامة حفل، ولتقديم هدية للمدرب، وشراء معدات رياضية.
كما أن رسائل أخرى تضمنت كلمة" بيتزا" جاءت ضمن محادثات بين غروف وعائلتها، من دون أي مؤشر على كون إبستين طرفاً بها.
على الرغم من غياب أيّ دليل على أن كلمة بيتزا في مراسلات إبستين كانت ترمز لاستغلال الأطفال، إلّا أن مزيداً من المستخدمين على منصات التواصل يعبّرون عن قناعتهم بصحتها، ويمضون ليؤكدوا أنها دليل على صحة الادعاءات التي تعود إلى عام 2016، ما يعكس جانباً مخيفاً من تأثير نظريات المؤامرة على الإنترنت، بحسب الصحافي دان بروكس.
رأى بروكس في مقال منشور في" ذا إنتليجنسر"، الاثنين الماضي، أنّه" حتى لو استخدم إبستين وأصدقائه كلمة بيتزا كرمز للاعتداء الجنسي، فهذا لا يعني أن النظرية الأصلية كانت حقيقية"، معتبراً أن" الشخص الذي يصل إلى الإجابة الصحيحة عبر استنتاج خاطئ يظل مخطئاً".
أشار إلى أن شعور مؤيدي نظرية بيتزا غيت بالتمكين والانتصار يثير خوفاً من الناس العاديين بطريقة مماثلة للخوف من النخبة، مضيفاً: " هناك مؤامرتان: مؤامرة النخب الغامضة ممثّلة بحياة جيفري إبستين، ومؤامرة الأغبياء الموثّقة جيّداً التي تمثّلها الديمقرطية الأميركية، ومن المحتمل أنّنا محكومون منهما معاً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك