العربي الجديد - بنما في كأس العالم: تحديات كبرى وآمال بتكرار إنجاز المغرب الجزيرة نت - من 1930 إلى 2026.. الأندية الأكثر تمثيلا في تاريخ بطولات كأس العالم فرانس 24 - غوارديولا كان على وشك الاستقالة "مئة مرة" وفق رئيس مانشستر سيتي وكالة الأناضول - نعيم قاسم يرفض نتائج المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل Independent عربية - عون يؤكد أن اتفاق واشنطن "الفرصة الأخيرة" و"حزب الله" يرفض الالتزام فرانس 24 - ليبيا: عمالة غير مدربة في الأفران والمطاعم تهدد سلامة الغذاء وتقلق الجهات الرقابية قناة الغد - مفاوضات القاهرة.. فرصة جديدة لخطة غزة وسط تعقيدات سياسية CNN بالعربية - خاتمة موسم لا تُنسى للموسم الثاني من مسلسل "المدينة البعيدة" قناه الحدث - فيديو يشعل غضبا بحلب.. إجبار طفلين على ابتلاع الفلفل الحار سكاي نيوز عربية - فيديو.. احتجاجات في ألبانيا بسبب ابنة ترامب وزوجها
عامة

رمضان.. أوسع وأهم مدرسة ومستشفى للأنسنة

عكاظ
عكاظ منذ 3 أشهر
1

لم تعد الحروب والأوبئة أكبر مهدد للإنسان المعاصر، بل في منظومة متكاملة تبدو في ظاهرها تقدماً وفي جوهرها استنزافاً بطيئاً للإنسان. الفردية المتطرفة، والرأسمالية المتوحشة، والمادية الصلبة، وحمى الثقافة ...

ملخص مرصد
رمضان يمثل أكبر مدرسة ومستشفى للأنسنة في مواجهة الفردية المتطرفة والرأسمالية المتوحشة والاستهلاكية المفرطة وهوس السرعة. الشهر الكريم يوفر ترويضاً جماعياً متزامناً يعيد بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه ويعزز التعاطف والتكافل الاجتماعي. التجربة الرمضانية تبطئ الزمن وتستعيد عمق التجربة الإنسانية المسلوبة في عصر السرعة.
  • رمضان يوفر ترويضاً جماعياً متزامناً يعيد بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه
  • التجربة الرمضانية تبطئ الزمن وتستعيد عمق التجربة الإنسانية المسلوبة في عصر السرعة
  • الشهر الكريم يعزز التعاطف والتكافل الاجتماعي ويحول المال إلى وسيلة تضامن
من: المجتمعات الإسلامية

لم تعد الحروب والأوبئة أكبر مهدد للإنسان المعاصر، بل في منظومة متكاملة تبدو في ظاهرها تقدماً وفي جوهرها استنزافاً بطيئاً للإنسان.

الفردية المتطرفة، والرأسمالية المتوحشة، والمادية الصلبة، وحمى الثقافة الاستهلاكية، وهوس السرعة، والتعاملات الآلية.

كلها تشكّل اليوم شبكة ضاغطة تدفع بالإنسان خارج إنسانيته، وتجرده من آدميته الواعية، ليصبح موظفاً عند الآلة.

الفردية تحمي استقلالية الإنسان.

لكنها حين تتضخم، تتحول إلى عُزلة.

وتتآكل معها الروابط الاجتماعية، وتُختزل العلاقات إلى مصالح، ويصبح الشعور بالوحدة مرضاً رغم كمية وكثافة الاتصال.

أما الحمى الاستهلاكية فلا يكفي أن تعمل، بل يجب أن تستهلك.

لا يكفي أن تملك، بل يجب أن تعرض.

عندئذ يتحول الاستهلاك من وسيلة إلى غاية، ومن خيار إلى ضغط اجتماعي.

وتصبح الرغبة غير قابلة للإشباع، فالسوق لا يرى الإنسان إلا كائناً إستهلاكياً مستمراً.

غير أن الرأسمالية، رغم دورها الإيجابي في الإنتاج والفرص، إلا أنها حين تتوحش، لا تكتفي بتنظيم السوق، بل تعيد هندسة الإنسان نفسه.

فيتحول الإنسان معها تدريجياً من غاية إلى وسيلة، ومن كائن له قيمة ذاتية إلى رقم في معادلة اقتصادية.

الطامة الجديدة هي هوس السرعة.

حيث تفرض إيقاعها القاسي، فكل شيء يجب أن يحدث الآن.

النجاح.

الربح، التفاعل، وحتى المشاعر.

يُختصر الزمن، ويُضغط الإنسان داخله، حتى يفقد القدرة على التأمل، وعلى بناء علاقات عميقة، وعلى اتخاذ قرارات ناضجة.

السرعة لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق المعنى.

تتسارع الحياة إلى حدّ يفقد الإنسان فيها القدرة على التأمل، وتُختزل فيه القيمة في الاستهلاك، ويُقاس النجاح بكم نملك لا بمن نكون.

وهنا تحديداً يتجلى تفرُّد رمضان كحدث استثنائي لا يشبه بقية الأشهر والمواسم.

ليس لأنه شهر عبادة فحسب، بل لأنه أكبر مختبر لتشريح الحالة النفسية والاجتماعية والذهنية للفرد، ولأن رمضان أكبر وأوسع مستشفى لإجراء عمليات ترويض النفس التي عرفتها البشرية، وأهم مشروع لإعادة «أنسنة» الفرد والمجتمع في مواجهة موجات جارفة من الفردية والاستهلاكية والرأسمالية والسرعة الجارفة وقائمة طويلة من المتغيرات لها.

يقف رمضان في الجهة المقابلة تماماً.

هو ليس فقط امتناعاً عن الطعام، بل امتناع عن الخضوع للاندفاع.

هو تدريب يومي على تأجيل الرغبة، وعلى استعادة السيطرة على النفس في زمنٍ تُدار فيه النفس بمنطق السوق.

حين يجوع الإنسان بإرادته، فهو لا يعاني.

بل يتحرر؛ يتحرر من وهم أن حاجاته هي التي تقوده، ويكتشف أن بإمكانه أن يقودها.

وهنا يبدأ «الترويض».

ليس ترويضاً قسرياً، بل ترويض واعٍ يعيد بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه.

اللسان يُضبط، الغضب يُكبح، الاستهلاك يُراجع، والوقت يُعاد تنظيمه.

ومع التكرار اليومي، يتحول هذا الانضباط إلى نمط، وهذا النمط إلى إمكانية كامنة للاستمرار.

لكن الأثر لا يقف عند الفرد.

ما يحدث في رمضان هو ترويض جماعي متزامن، وهو ما يمنحه قوته الاستثنائية.

ملايين البشر يتوقفون عن الفعل في لحظة معلومة ويقومون بالفعل في لحظة معلومة.

يعيشون التجربة نفسها في الوقت نفسه: يجوعون، ينتظرون، ويتشاركون لحظة الإفطار.

هذه التجربة المشتركة تعيد إنتاج التعاطف الإنساني بشكل عملي، لا نظري.

الفقير لم يعد فكرة بعيدة، بل حالة مُعاشة.

والعطاء لم يعد خياراً أخلاقياً مؤجلاً، بل استجابة فورية لشعور مشترك.

في هذا المناخ، تتراجع الفردية لصالح الجماعة، ويتقدم التكافل على التملك، وتستعيد العلاقات الاجتماعية دفئها.

صلة الرحم تعود، الموائد تجمع، والقلوب تميل إلى التسامح.

حتى الاقتصاد، الذي تحكمه عادة معادلات الربح والخسارة، يكتسب في رمضان بُعداً أخلاقياً؛ إذ يتحول المال إلى وسيلة تضامن، وتتصاعد حركة الزكاة والصدقات بشكل لافت.

الأهم من ذلك كله أن رمضان يبطئ الزمن.

في عصر السرعة، حيث كل شيء يُختزل في الإنجاز الفوري، يفرض رمضان إيقاعاً مختلفاً: انتظار، صبر، تأمل.

وهذا الإبطاء ليس تعطيلاً، بل استعادة لعمق التجربة الإنسانية التي سلبتها السرعة.

هذا لا يعني أن الجميع ينجح بأن يستمر بتبني الحالة الإنسانية الرمضانية وتوسيعها إلى ما بعد رمضان وإلى الأبد، لكن البعض ينجحون بذلك، ومن لم ينجح بنقل التجربة خارج رمضان، يكون خاض تجربة الأنسنة وعاشها ويمكنه الرجوع إليها وتبنيها متى شاء وإلى الأبد والأهم أن الطريق أصبحت سالكة للتكرار والاستمرار على مستوى ملايين الأفراد.

أما على المستوى المؤسساتي، وخاصة في المجتمعات التي تعاني مشكلات اقتصادية واجتماعية مستدامة، فأدعوها لمأسسة الحالة الرمضانية في سبيل استدامتها وحفظ التوازن بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي في المجتمع وهذا في ظني هو الأساس الطبيعي والحقيقي لحقوق الإنسان التي يمكن البناء عليها والتأسيس لها وليس مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها «حضارة إبستين».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك