يستيقظ ملايين الناس يومياً على تنبيهات تطلقها هواتفهم أو ساعاتهم الذكية، وبعضها تُقيّم نوعية نومهم، ويطلب الملايين سيارة أجرة يقودها سائق يختارونه كونه يحمل تقييماً عبر التطبيق، ويتسوق مئات الآلاف من متاجر تمنحهم مكافآت بناء على قيمة مشترياتهم.
هذا الواقع المعيش هو ما يسميه عالما الاجتماع ماريون فوركاد وكيران هيلي" المجتمع التراتبي".
لا يقدم المؤلفان مجرد تحليل لتأثيرات التكنولوجيا على حياة البشر اليومية، بل محاولة لتشخيص نظام اجتماعي جديد يقوم على القياس الدائم، وتصنيف كل جانب من جوانب الوجود الإنساني، وبالتالي ترتيب الناس في طبقات اجتماعية رقمية وفقاً لذلك.
تعمل ماريون فوركاد أستاذة لعلم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ويعمل كيران هيلي أستاذاً لعلم الاجتماع بجامعة ديوك في كارولينا الشمالية، وقد عملا معاً طوال أكثر من عقد مضى، وأنتجا أوراقاً بحثية عدة كانت تُمهد الطريق لنظريتهما الشاملة التي أطلقا عليها اسم" المجتمع التراتبي"، وقد طورا تدريجياً المفاهيم والأدوات التحليلية التي ضمها هذا الكتاب، والذي يحللان فيه البنية التحتية للرقمنة جنباً إلى جنب مع تداعياتها الاجتماعية والأخلاقية.
يطرح الكتاب (منشورات جامعة هارفرد، 2024) فكرة بسيطة شكلاً، لكنها عميقة للغاية، ومفادها أننا نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا، وتحويلها إلى وحدات رقمية، وأن هذا ليس مجرد جمع بيانات، بل تحول أساسي في كيفية تصنيف أفراد المجتمع.
يبدأ الكتاب برحلة جغرافية ومادية عبر وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا، والذي كان في خمسينيات القرن الماضي منطقة زراعية خصبة، لكنه تحول إلى مركز للتكنولوجيا المتطورة، ويتتبع المؤلفان كيف تحول الوادي من أرض تُنتج الغذاء إلى أرض تُنتج البيانات، ويرصدان كيف قدمت شركات وادي السيليكون خدماتها في البداية كـ" هدايا" للمستخدمين، من البريد الإلكتروني، إلى محركات البحث، ثم الشبكات الاجتماعية، وكلها كانت مجانية.
ويستخدم الكتاب" نظرية الهدية" لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي، مارسيل موس، لتحليل هذه المرحلة، فشركات التكنولوجيا" أهدت" خدماتها للعملاء، لكن المقابل الذي حصلت عليه لم يكن مالياً، بل بيانات.
ولاحقاً، بدأت الشركات استغلال هذه البيانات، فكل نقرة، وكل عملية بحث، بل كل لحظة تقضيها على أي منصة أصبحت بيانات قابلة للتحليل، ثم للبيع.
ما بدأ إذن خدمة للمستخدمين تحول إلى خدمة من المستخدمين، إذ لم نعد الزبائن، بل أصبحنا المنتج، فكل تفاعل رقمي يترك بصمة، وهذه البصمات ليست مجرد سجلات، بل مواد خام لصناعة ضخمة من التحليل، والتنبؤ، وبالتالي التحكم.
في أزمان سابقة، كانت المجتمعات تُنظّم الأفراد ضمن فئات تشمل الطبقات الاجتماعية والمهن، أو الأعراق والأجناس؛ بينما في المجتمع الرقمي يجري تصنيف كل فرد عبر طيف واسع من التقييمات، والتي تشمل الدرجة الائتمانية، أو نقاط الولاء، أو مستوى اللياقة البدنية، أو تصنيف المخاطر الصحية، أو درجة الموثوقية وغيرها، وهذه التقييمات باتت تحدد الكثير من التفاصيل، وتحدد أيضاً إمكانية الحصول على مزيد من الخدمات من عدمه.
نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا.
ومن أبرز التصورات التي يطرحها الكتاب مفهوم" رأس المال الذاتي"، وهو يصف أصول البيانات التي تشكل الهوية الفردية الرقمية للشخص، بناءً على المعلومات المستخرجة من مجموعات البيانات المتاحة عنه.
ربما يمكن اعتبار هذا المفهوم الحديث نسخة العصر الرقمي من مفهوم" رأس المال الثقافي" لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
لكن بينما يشير" رأس المال الثقافي" إلى المعرفة والمهارات والأذواق التي تمنح الأفراد مكانة اجتماعية، فإن" رأس المال الذاتي" يشير إلى البصمة الرقمية التي تحدد قيمة الفرد وفرصه.
الفارق أن المفهوم الأقدم (الثقافي) كان شيئاً يمتلكه الفرد، ويمكنه تطويره بوعي، أما المفهوم الرقمي فهو يُستخرج من الفرد باستمرار، ويُحسب خوارزمياً، ويتغير ديناميكياً بطرق لا يمكن للفرد السيطرة عليها بالكامل، فهو تمثيل رقمي تمتلكه وتتحكم فيه الشركات بالأساس.
وفي حين تظهر نظرية بورديو كيف أن تفضيلاتنا الثقافية تكشف وتُحدد موقعنا الاجتماعي، يظهر فوركاد وهيلي كيف أن هذه العملية قد جرت" برمجتها"، فكل نقرة، وكل بحث، وكل إعجاب يُغذي خوارزميات تُصنفنا، وتُقرر ما سنراه، وما سنشتريه، ويحدث كل ذلك في أجزاء من الثانية بناءً على خوارزميات لا نفهمها، ولا نستطيع الطعن في طريقة عملها.
ويطور المؤلفان مفهوم" حالات التصنيف"، والذي يصف المواقف التي تؤثر فيها تنبؤات الخوارزمية على فرص حياة الناس، وتولد أشكالاً جديدة من التوقعات الاجتماعية، ويمكن تفسير الأمر من خلال أمثلة بسيطة، من بينها أنك قد تتردد في الركوب مع سائق سيارة أجرة غير مُصنف بتقييم جيد، أو لن تستأجر غرفة فندق من غير مراجعة تصنيف المكان وتقييم النزلاء السابقين له.
مفهوم آخر مبتكر يقدمه الكتاب هو" المواطنة التراتبية"، الذي يصف كيف أصبحت المشاركة المجتمعية الكاملة تعتمد على محافظتك على مستوى التقييم، وأولئك الذين لا يستطيعون، أو لا يريدون المشاركة في المجتمع الترتيبي يواجهون إقصاء متزايداً، ومن هؤلاء كبار السن الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية، والفقراء الذين لا يملكون بطاقات ائتمان، والمهاجرون الذين لا يملكون وثائق رسمية، أي شخص" خارج النظام" يجد صعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
والمفارقة أن محاولات تجنب نظام التصنيف تفشل، لأن عدم المشاركة أصبح أمراً مشبوهاً، فمن ليس لديه بصمة رقمية يُعتبر شخصاً مريباً، وباتت محاولة الحفاظ على الخصوصية تُفسر بأنها علامة على أن لديك شيئاً تخفيه.
المواطنة الترتيبية إذن ليست اختيارية، إنها أحد شروط العمل، والسكن، والتنقل، وحتى الوصول إلى الخدمات.
الجانب الأكثر إثارة للقلق هو كيف تُضفي الخوارزميات شرعية أخلاقية على تسلسلات المجتمع الترتيبي الهرمية، فعندما يحصل شخص على تقييم عال لا يُنظر إلى ذلك باعتباره تقييماً تقنياً، بل شهادة على قيمته، وبالعكس أيضاً، أولئك الذين يحصلون على تقييم منخفض لا يُعتبرون ضحايا لظروف اجتماعية أو اقتصادية، بل يُنظر إليهم بوصفهم مسؤولين عن فشلهم الشخصي.
ولا يتجاهل الكتاب التحولات في سوق العمل، فخوارزميات الفرز باتت تحدد من يحصل على مقابلة عمل، بناءً على تحليل سيرته الذاتية، وبصمته الرقمية، وحتى نبرة صوته في مقابلات الفيديو المسجلة، وتؤكد دراسات متعددة أن هذه الأنظمة تميز ضد النساء، والأقليات، وكبار السن.
حتى داخل أماكن العمل، بات هناك برامج تتبع لكل ضغطة مفتاح، وكل لحظة بعيداً عن الشاشة، وعمّال المستودعات كمثال يرتدون أساور تتبع حركتهم، وتحدد معدلات إنتاجية يجب عليهم تحقيقها، وسائقو الأجرة يخضعون لكاميرات تراقب وجوههم للكشف عن علامات التعب أو التشتت، ويجري تقييمهم وفق ذلك.
يتحوّل الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال.
ليست هذه مجرد أدوات إدارة، إنها شكل جديد من أشكال السيطرة، يُحول الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال، بينما تذوب الكرامة الإنسانية، والتقدير المهني، والخبرة المكتسبة في بحر من المقاييس الرقمية، حتى إن التعليم، وهو آخر معاقل التقييم الإنساني، يخضع للترتيبية، فالخوارزميات تحدد أي الطلاب يحتمل نجاحهم، وتستخدم بعض الجامعات تسعير ديناميكي للرسوم الدراسية، وتعرض أسعاراً مختلفة للطلاب، بناءً على احتمالية القبول والقدرة على الدفع.
وفي داخل المنزل تجمع الأجهزة الذكية البيانات، فالثلاجة الذكية تعرف ماذا تأكل، ومكبرات الصوت الذكية تسمع محادثاتك.
هذه البيانات لا تبقى في المنزل، إنها تُرسل إلى الشركات، وتُحلل، وتُستخدم لتحديث ملفك الرقمي.
يعترف فوركاد وهيلي أن" الكتاب لا يقدم حلولاً.
ليس الأمر أنه ليس لدينا أفكار، لكننا لا نشعر بأن هذا هو المكان الذي نريد وضعها فيه".
كما أن خاتمة الكتاب متشائمة، وترى أن الحياة في المجتمع الترتيبي" لا تُحتمل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك