إيلاف من أبوظبي: على بُعد ساعة تقريبًا شمال دبي، وفي إمارة رأس الخيمة التي عُرفت بهدوئها وساحلها شبه البكر وقلعتها المطلة على التلال، يتشكل مشهد اقتصادي غير مسبوق في تاريخ المنطقة.
فهناك، على امتداد الساحل، يرتفع مشروع ضخم بارتفاع يقارب 350 مترًا، يُنتظر أن يضم عند افتتاحه العام المقبل أحد أكبر الكازينوهات في العالم، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا لافتًا في مسار الدولة الاقتصادي.
هذا التطور لا يأتي بمعزل عن توجه طويل الأمد تبنّته دولة الإمارات لتنويع مصادر دخلها بعيدًا عن النفط والغاز.
فقد نجحت خلال العقود الماضية في بناء قطاع سياحي مزدهر، واستقطبت أعدادًا متزايدة من المقيمين وأصحاب الثروات.
واليوم تفتح الباب أمام نشاط جديد ومثير للجدل: صناعة القمار، ضمن إطار تشريعي وتنظيمي حديث.
ففي تطور قانوني بارز، عُدّل القانون المدني لتخفيف القيود على أنشطة المراهنات، بعد إنشاء جهة اتحادية لتنظيم الألعاب قبل عامين.
ومنحت هذه الجهة أول ترخيص للمراهنات عبر الإنترنت في نوفمبر الماضي، أعقبه منح موافقات لمشغلي اليانصيب ومنصات المراهنات الرياضية، في مؤشر واضح إلى اتساع نطاق النشاط تدريجيًا.
ورغم الحظر الديني التقليدي للمقامرة، تعكس الخطوة مقاربة براغماتية تنسجم مع طموح الإمارات لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للأعمال والاستثمار، يجمع بين رؤوس الأموال من الشرق والغرب.
ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة تسعى إلى مزاحمة وجهات عالمية شهيرة في هذا المجال.
الأرقام تعزز الرهان الاقتصادي.
فقد سجلت دبي العام الماضي 19.
5 مليون زائر، بزيادة 5% عن العام السابق، فيما استقبلت رأس الخيمة 1.
4 مليون سائح، مع خطط لرفع العدد إلى 5.
3 مليون بحلول نهاية العقد.
ويبلغ متوسط إنفاق السائح في الإمارات 1,414 دولارًا للزيارة الواحدة، وهو معدل يتجاوز متوسط الإنفاق في أبرز وجهات القمار العالمية.
كما أن السوق المحلية نفسها تمثل عنصر جذب إضافيًا؛ إذ يبلغ عدد سكان الدولة نحو 11 مليون نسمة، يشكل الأجانب نحو 90% منهم.
وتشير بيانات شركة «هينلي آند بارتنرز» إلى انتقال قرابة 10 آلاف مليونير إلى الإمارات العام الماضي بثروات إجمالية تقدّر بـ63 مليار دولار، في أكبر تدفق عالمي من هذا النوع.
هذه المعطيات دفعت شركات دولية كبرى إلى التحرك سريعًا.
فشركة «وين ريزورتس» الأميركية، المطوّرة للمشروع في رأس الخيمة، تتوقع أن يحقق الكازينو إيرادات سنوية من الألعاب تصل إلى 1.
7 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو ثلث تقديرها لحجم السوق المحتمل.
كما تراهن الشركة على جذب شريحة كبار المقامرين، خاصة مع الاستثمارات الإماراتية الواسعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، التي تستقطب أثرياء قطاع التكنولوجيا.
ولا يقتصر التوجه على الكازينوهات التقليدية، إذ تمتد الخطط إلى قطاع المراهنات الرياضية والمقامرة عبر الإنترنت، وهو من أسرع القطاعات نموًا عالميًا.
وقد مُنح بالفعل أول ترخيص لمنصة محلية للمقامرة الرقمية، في إشارة إلى أن النشاط يتجه نحو تنويع أدواته وقنواته.
مع ذلك، تبقى التحديات قائمة.
فصناعة القمار ترتبط عالميًا بمخاطر غسل الأموال والجرائم المالية.
وكانت الإمارات قد أُدرجت عام 2022 على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي بسبب ثغرات رقابية، قبل أن تُزال منها في 2024 عقب إصلاحات تنظيمية واسعة.
ومن هذا المنطلق، تتبنى السلطات نهجًا حذرًا في منح التراخيص، مع فرض متطلبات رأسمالية مرتفعة وإجراءات تنظيمية صارمة، تشمل تقديم خطط أعمال تمتد لخمس سنوات.
ويصف خبراء القطاع هذه العملية بأنها دقيقة وحساسة، تعكس إدراكًا رسميًا لحجم المخاطر المصاحبة بقدر ما تعكس طموحًا لتحقيق عوائد اقتصادية ضخمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك