كان العام 1964 - 1965 هو العام الثالث لوجود الشلماني في الدراسة بالكلية مع رفاقه الأربعة.
الكوشلي والعكاري والبشاري والضادي.
جرى إعفاؤهم من فترة الأساس التي قضوها مع بدايات الدراسة خلال الدفعة السادسة.
هذا العام أيضاً كان الثاني للقذافي ودفعته الأساسية التي انضم إليها الشلماني.
الطلبة تضمهم فصائل داخل الكلية وفقاً للسياق العسكري المعروف.
وسيكون آمريها.
المكي بوزيد وجمعة عوض والمبروك عبدالمولى.
كانوا يعرفون طلبتهم تماماً.
ويدركون معارفهم واتجاهاتهم عبر التدريب اليومي ومراحل المشروع الخارجي.
في هذا العام الدراسي يكون مرأى مجموعة من رفاق الدفعة في خاطره.
لا يفارقونه.
كانوا يمتازون بصفات ومواهب وقدرات جيدة.
التكبالي الذي سبق ذكره.
الجاد على الدوام.
المتقاطع مع القذافي في الصباح والمساء.
الذي يتذكر ابنه الذي تركه في ألمانيا أيام هجرته هناك.
ومختار القروي وبوبكر البراني ومحمد النحايسي ومفتاح مدورد.
وغيرهم.
هؤلاء الطلبة تجمعهم في الغالب أعمار واحدة.
التقوا في الكلية من أنحاء ليبيا.
أفكارهم مختلفة.
بعضهم كان له نشاط سياسي واضح فترة الدراسة الإعدادية والثانوية.
بعضهم كان منضويا في تيارات سياسية وخاصة حركة القوميين العرب.
تأثر بأهدافها وتواصل مع روادها في ليبيا.
بعضهم كان ضمن أفراد حزب البعث.
أغلبهم كان مشحونا بالعاطفة تجاه عبدالناصر وصوت العرب ومقالات هيكل وسيكون لاحقا ضمن تنظيم الملازمين الأحرار الذي أسسه معمر القذافي صيف 1964.
لم يفاتح الكثير من الطلبة.
شكل البداية من ثمانية من الطلبة لم يكن الشلماني من بينهم.
لم يفاتحه أو يتحدث معه في هذا التنظيم وأحلامه.
الثمانية كانوا: سالم البصير وبوبكر يونس ومحمد نجم وعبدالمنعم الهوني وعوض حمزة وعبدالسلام جلود ومختار القروي والخويلدي الحميدي.
بعد تخرج هؤلاء سيمتد التنظيم داخل الجيش وسيتولى هؤلاء الطلبة الذين صاروا ضباطا إقناع العديد من الملازمين من خريجي الدفعات الموالية للانضمام والالتحاق بالتنظيم المذكور.
بعد مدة سينسحب البصير وينضاف إلى اللجنة المركزية للحركة العسكرية هذه.
مصطفى الخروبي وبشير هوادي وعمر المحيشي وامحمد المقريف.
في هذا العام حاول القذافي الاقتراب من الخمسة الذين أتوا من السادسة.
أحيانا يتحدث معهم ويبادر بعبارات تشجيع مكررة مفادها أن الرسوب ليس عيبا وأن إعادة السنة من جديد تعتبر علامة قوة وليست ضعفاً.
وكانوا ينصتون ولا يبادلونه أي مجاراة في النقاش.
غير أن الشلماني لاحظ على القذافي كما لاحظ غيره أنه عندما يعود إلى الكلية من العطلة الأسبوعية كان يحضر معه بعض الكتب مثل الميثاق لعبدالناصر وماذا جرى في الشرق الأوسط لناصر الدين النشاشيبي.
وغيرها ويمررها لبعض الطلبة لقراءتها وتقييمهم لما ورد فيها.
كان يتردد على مكتبة فتحي في سوق الظلام ويشتري منها تلك المصادر وكذا تردده المتواصل على المركز الثقافي المصري.
كان يقيم ليلة العطلة الأسبوعية مع بعض الطلبة في فندق النهضة بشارع فياترينو (عمر بن الخطاب) فيما يشاهد أيضا في زياراته لمجموعات من طلبة الجامعة الذين يقيمون على حسابهم في بيوت داخل المدينة خارج القسم الداخلي التابع للجامعة.
وكان يلاحظ عليه عدم ذهابه لقضاء العطل الرسمية والدينية لدى عائلته في بوهادي وإنما يقضيها في بعض المناطق والمدن مثل درنة والبيضاء إما لوحده أو يقوم بالتردد على زملاء الدفعة المقيمين هناك.
شيء غريب يلاحظه الشلماني كثيرا عبر فترة الدراسة على القذافي.
استوقفه وأخذ اهتمامه مثل العديدين من رفاق الدفعة أيضا.
شيء لم يكن مألوفا في البيئة أو الكلية في الغالب.
وهو استعماله المستمر للكحل في العينين والسواك الخاص بالشفاه.
ذلك عقب عودته من كل عطلة أسبوعية.
يزيلهما.
ويعود إلى حالته العادية وعندما يلفت نظره أحد الطلبة إلى هذا الفعل.
كان رده المباشر بأن الذي يقوم به ليس غريبا وإنما هو من صميم سنة الرسول عليه السلام.
وشيء آخر لا يفارق الذهن.
حوار القذافي المفتوح والمستمر مع المعلمين الإنجليز باللغة العربية.
كان النقاش يستغرق وقتاً من الحصة المقررة وفترة الاستراحة حين يتفرق الطلاب.
يبقى معهم في هذا الجدل والأخذ والرد عن عدن وفلسطين والاستعمار.
كان المعلمون يسخرون ويضحكون.
ولعلهم كتبوا ملاحظاتهم وتقاريرهم في هذا الشأن في وقتها.
من الطبيعي أنهم لا يتركون أمراً كما بيع الجزاف.
هذه الصور والملاحظات والانطباعات الصغيرة والكبيرة كانت تمثل تفاصيل ستلقي بأجوائها في المستقبل الليبي بعد أعوام قليلة.
الشلماني- السليني طفق يتذكرها ويذكرها وتعبر تفكيره بمجرد حدوث التغيير في سبتمبر 1969.
كان ثمة توجس.
كان هناك مجموعة من الأسئلة الحيرى في نفسه على الدوام أثناء إعادة شريط التجربة في الكلية وما بعدها.
أسئلة تتكوم وتزدحم وتخرق كل الخطوط.
الإجابة في حينها كانت معروفة ولكنها ظلت صعبة.
الإفصاح عنها سينتهي إلى ما لا يحمد.
الأسئلة تطير ولا تحط في الأرض.
من أين.
كيف.
لماذا.
من وراء ذلك.
التحرك المفتوح للقذافي في كل الاتجاهات بعد التخرج وقبل التغيير من يسانده ويدعمه.
من يتركه هكذا بلا تدخل.
كيف تم العجز عن قطع الطريق أمامه.
الطريق الذي ظل ميسورا حتى وسط الصخور والألغام.
كل شيء كان جاهزاً ومفتوحاً ومؤدياً إلى النتيجة المعروفة لاحقاً.
الشلماني أدرك وعرف الكثير مبكراً.
اقترب من النار وعرف مخاطر لهيبها إذا انتشر.
شم الرائحة ووقف على أن الشياط سيعم الجميع بلا تفرقة.
جحيم الإدراك عاشه الشلماني في سنوات الكلية.
بعد التخرج.
أثناء أيام التغيير إلى السجن وما بعده.
كل شيء كان يسير نحو الأيام القادمة العاصفة الآتية بالريح العقيم.
الضوء والظل يتلازمان.
ضوء يظهر ثم يختفي مع قدوم الظل.
يغمر انعكاسهما ما حولهما.
تبرز حقائق.
تختفي مثلها أحياناً عديدة.
حقيقة كبرى وعظمى تظل في المجهول بعيداً.
تبقى عصية على الفهم.
والاسئلة الحيرى تتيبس فوق الشفاه.
لا جواب يقطع شكاً باليقين.
الشلماني يزدحم صدره بالقلق والمزيد من الأسئلة مع غياب الأجوبة.
تلك مشكلة من مشاكل الوجود الإنساني.
القلق والمعرفة والوقوف على أشياء لم يصل إليها الآخرون إلا.
في وقت متأخر جداً.
يقبل يناير 1969.
الشلماني في طرابلس يعود من عمله بمعسكر الهضبة الخضراء في طرابلس.
إلى بيته.
وحين يشرع في تناول طعام الغداء.
بابه يطرقه الملازم معمر القذافي القادم من بنغازي يومها.
اتجه مباشرة للشلماني.
بدأ الحوار المفتوح.
الذي سال بكل غريب وعجيب.
كانت بدايته الثناء والشكر بلا توقف للشلماني الشجاع الذي لم يتأخر في المشاركة في الذهاب مع قوات الجيش إلى الحدود الشرقية صيف 1967 لعدة مرات فيما أحجم العديد من الضباط ولم يتقدموا مثله لأداء الواجب الوطني والقومي.
ساعة الظهيرة.
القدر يجمع الطرفان.
قبل التغيير بثمانية أشهر.
وقبل أن يذهب الشلماني الى السجن في طرابلس ذاتها في نهاية العام.
تقاطعات الأيام المتشابكة شهودها طرفان كل منهما له طريقة.
المستحيل قضى بأن يكون التقاؤهما صعب الحدوث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك