التقارير التي تتحدث عن خلافات رأي في قمة الإدارة الأمريكية حول الهجوم على إيران، بسبب المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها معركة عسكرية، استقبلتها طهران بكل رضا.
فالمحلل مصطفى نجفي، الذي يعمل أيضاً كمستشار قائد الحرس الثوري سابقا محسن رجائي، عقب على هذه التقارير في حسابه على منصة X وادعى بأن الأمر يدل على أنه لا إجماع في أوساط أصحاب القرار في واشنطن حول عمل عسكري ضد إيران.
كما ادعى بأن ترامب يحاول أن يحافظ على مصداقية التهديدات على إيران، ومن جهة أخرى، ألا يثير حساسية الرأي العام الأمريكي بالنسبة لتداعيات هجوم عسكري.
لا يعني الأمر إيران تتنفس الصعداء.
ثمة تقارير ترد من طهران تبين أن الخيار العسكري الأمريكي بقي على الطاولة حتى لو بدا بأن الإدارة الأمريكية – مثل الإدارة في طهران – لا تزال تفضل حلاً دبلوماسياً على مواجهة عسكرية لا يمكن تقدير نتائجها مسبقاً.
غير أن حتى هذا التقدير لم يؤدِ حتى الآن إلى استعداد إيران للتحلل من أصولها الاستراتيجية والاستجابة لكل مطالب الإدارة الأمريكية.
في تعقيب على أقوال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الذي قال إن الرئيس ترامب فضولي لأن يعرف لماذا لا تستسلم إيران، أجاب وزير الخارجية الأمريكي عباس عراقجي بأن سبب ذلك هو “أننا إيرانيون! ”.
أما الناطقة بلسان الحكومة الإيرانية، فاطمة موهاجرني، فعادت وشددت في مؤتمر صحافي على أن إيران تفضل الدبلوماسية على الحرب، لكنها لا تعتزم التخلي عن كرامتها الوطنية وعن مصالحها القومية.
وحتى “الجيش الجميل” الذي تحدث عنه ترامب بانفعال لم يغير فكر زعيم إيران في أن قبول الإملاءات الأمريكية ستسرع انهيار الجمهورية الإسلامية.
في نظره، هدف الإدارة الأمريكية المطلق كان ولا يزال إسقاط النظام الإسلامي.
وإن تحلل إيران من كل قدراتها النووية وصواريخها وفقاً للمطلب الأمريكي سيهيئ الأرضية لمطالب أخرى تستهدف إضعاف إيران وتهيئة الأرضية لتغيير النظام.
يعتقد خامنئي أنه حتى لو وافق على الاستسلام والتحلل من الأصول الاستراتيجية التي تحت تصرفه، فهو أمر سيشجع الولايات المتحدة وإسرائيل على استغلال ضعف إيران للتقدم نحو تحقيق هدم إسقاط النظام.
وبالتالي فإنه مستعد اليوم أيضاً لتحمل مخاطرة مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة.
بتقديره، حتى لو أحدث الأمر ضرراً ذا مغزى، فليس في الهجوم الأمريكي ما يعرض بقاء النظام للخطر حتى لو كان هو نفسه لم ينج منه.
وبالفعل، فإن إمكانية عمل أمريكي يحاول زعزعة استقرار النظام لا يغيب عن عيون كبار المسؤولين الأمريكيين.
استئناف الاحتجاجات في الأيام الأخيرة، وأساساً في الجامعات، عقب استئناف الدراسة واحتفالات إحياء ذكرى الأربعين على وفاة القتلى في احتجاجات كانون الثاني، عاد ليعزز التقدير بأن إيران في حالة ثورية متواصلة كفيلة بأن تستمر لزمن طويل وتتدهور في كل وقت إلى استئناف الاحتجاج الشعبي على نطاق واسع.
على خلفية الوضع الصعب الذي تعيشه الجمهورية الإسلامية، نفهم التقارير التي نشرت في الأيام الأخيرة عن الاعتماد المتزايد من جانب خامنئي على بعض كبار المسؤولين، بمن فيهم سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من أجل الاستعداد لإمكانية تصفيته في هجوم عسكري.
حتى لو كان التعاطي مع هذه التقارير بجدية قليلة مناسباً، واضح أن الهزات التي تعصف بإيران في السنة الأخيرة، بما في ذلك حرب “الأسد الصاعد”، وتصفية مسؤولين كبار في القمة العسكرية الأمنية في سياقها، وتداعيات الاحتجاجات الأخيرة، والشكوك المتزايدة بالنسبة لقدرة زعيم إيران على الحفاظ على حكمه لزمن طويل، سواء بسبب عمره المتقدم أم بسبب التهديدات بتصفيته – فكلها تزيد انشغال طهران بمسألة الخلافة ومستقبل الجمهورية الإسلامية في اليوم التالي لوفاة الزعيم ابن الـ 86.
في هذا السيناريو تتزايد الاحتمالات بأن فكرة “حكم حكماء الشريعة”، المتبع في إيران منذ 1979، يقترب من نهاية طريقه، بخاصة في سيناريو هجوم أمريكي يضعضع استقرار النظام نظراً لعمل ناجع ضد قسم من القمة السياسية والأمنية الأمريكية.
ومع وجود شك كبير في قدرة هجوم جوي – مهما كان ناجحاً – أن يؤدي إلى تغيير النظام الأمريكي دون مشاركة نشطة من ملايين المواطنين في الشوارع، فإن انصراف خامنئي قد يشق الطريق لتغييرات دستورية تؤدي إلى تبني نموذج حكم بديل.
حتى لو كان من الصعب التقدير لصورته ومزاياه، فإنه كفيل بأن يغير وجه إيران، ويفتح فرصاً جديدة لتحول هام في سياستها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك