وهذا الاضطراب ليس ضعفا فرديا بل حالة إنسانية عميقة وصفها الحكماء والعارفون بدقة مذهلة عبر قرون.
واستعرض برنامج" قال الحكيم" -خلال الحلقة التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه المعضلة الروحية، مستعينا بنصوص لأبي يزيد البسطامي وابن القيّم والغزالي وغيرهم في رحلة تأملية تبحث عن معنى الإرادة الصادقة وشروط الوصول الحقيقي.
ووصف أبو يزيد البسطامي حاله حين وقف مع العابدين والمجاهدين والمصلين دون أن يجد لنفسه قدما راسخة بينهم، حتى جاءه النداء: " خلِّ نفسك وتعال"، وفي هذه العبارة الموجزة تلخيص لجوهر الإشكالية كلها؛ فالعائق الأكبر أمام الوصول هو النفس ذاتها بأهوائها وحظوظها وضجيجها الداخلي.
وعلى المنوال ذاته، عبّر الأديب الروسي ليو تولستوي بصدق نادر حين ربط بين الإيمان والشعور بالحياة الحقيقية، ثم تساءل في قلق عميق عن سرّ افتقاره لليقين الذي يعمر القلب رغم إقراره بوجود الله.
وهو السؤال ذاته الذي عبّر عنه المفكر المصري الراحل مصطفى محمود بقوله إن صوت الفطرة ضعف في عصرنا حتى صار همسا، بينما ارتفع صوت العقل حتى صار" لجاجةً وغرورا واعتيادا".
وتأسيسا على هذا الفهم، يحدد الصوفية نقطة الانطلاق الحقيقية في مفهوم الإرادة الصادقة، فأبو بكر الواسطي يجعل أول مقام يسلكه المريد هو" إسقاط إرادته" الذاتية لصالح إرادة الحق، وهو ما عبّر عنه ابن القيم بتعبير بالغ الدقة: " نهوض القلب في طلب الحق"، إذ تحمل كلمة النهوض دلالة الحركة الإيجابية المقصودة لا الانتظار السلبي.
بيد أن هذا النهوض ليس فعلا يُنجز مرة واحدة ثم يُنسى؛ فأبو عبد الله بن خفيف يحدد الإرادة بأنها" استدامة الكدّ وترك الراحة"، وهنا تبرز المفارقة التي يقع فيها كثيرون؛ ينتظرون ضمانات مسبقة بسلامة الطريق قبل أن يخطوا خطوتهم الأولى.
وقد ردّت على هذا الانتظار" قواعد العشق الأربعين" بوضوح: " لا تهتم إلى أين سيقودك الطريق، بل ركز على الخطوة الأولى".
وفي تحديد هذه الخطوة الأولى بالذات، يجيب ابن الجوزي بأنها اليقظة من" رقدة الغافلين"؛ أي التأمل في مآل الشاردين عن طريق الله والابتعاد عن المعوّقين.
ومن يفعل ذلك يجد نفسه قد سلك الطريق، فالهوى في مخالفة الهوى، وهكذا تعود الدائرة إلى حيث بدأت: عند عبارة أبي يزيد ذاتها، لكن هذه المرة بفهم أعمق لمعناها" خلِّ نفسك وتعالَ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك