الصبي آغو جرى تعميده ليكون مقاتلا بعد تعذيب لا يعرف حدودا.
ترك قائد الجنود صبيا آخر، هو ستريكا، يقوم بالمهمّة التي كادت تودي بمن صار في ما بعد رفيق دربه.
وقد أمكن لما عاناه آغو من تغييير أن صار يسعى إلى التمثّل بمعذّبه الصغير، ثم بقائد المجموعة الذي بقي في الرواية بلا إسم.
سريعا ما أحبً آغو كونه مقاتلا، ربما لأنه أدرك، وهو في ذلك العمر المبكّر أنه أمام خيارين، إما أن يكون قاتلا، وإما أن يكون قتيلا.
وهو خبر الحالين حيث سبق له أن شهد مقتل أبيه على أيدي «الأعداء»، ثم حرقه.
كما شهد انفصاله عن أمّه وأخته بأخذه أسيرا.
الأعداء هم كل من يُترقّب قدومهم ليقتلوا ويحرقوا، ومن دون تعيين للجهة التي ينتسبون إليها، وإذ يحاول متتبّع أحداث الرواية أن يعرف بين أي جيشين، أو أيّ مجموعتين يدور القتال، لن يصل حتى إلى قرار.
لن نعرف إلا متأخرّين مثلا، أن «الجيشّ الذي ضُمّ إليه آغو هم مجموعة ميليشيا مسلّحة بأسئلة ثقيلة وشاحنات، لكن الكاتب النيجيري أتاح لنا أن نتجاوز التخمين إلى التأكّد من أننا إزاء واحدة من تجارب تجنيد الأطفال في النزاعات التي جرت في بلدان افريقية عديدة.
ما أراده الكاتب من تجنبه ذكر التفاصيل، إلى حد أن أسماء الأشخاص جميعها اكتُفي منها بالاسم الأول، آغو مثلا، أو القائد، أو رامبو الذي هو اسم مستعار بالطبع، هو أن يتناول مسألة تجنيد الأطفال، حيّة، من دون ربطها بالسياسة، أو بتجارب محددة لبلدان.
واستكمالا لهذا المنحى، بل تعارضا معه من ناحية أخرى، لم نجد أننا إزاء عملية منظمة لتجنيد الأطفال بالجملة، ففي هذه المجموعة التي ضُمّ إليها ليس بين الجنود إلا صبيّ آخر سبق آغو إلى التزوّد بالسلاح والإعداد للشروع بالقتل.
هي مجموعة بلا إسم وبلا قيادة عليا، ولا أسباب معلنة، أو غير معلنة لقتالها، كما أنها لم تحصل من المواجهات، أو الغزوات التي خاضتها على غنائم.
ولا حدّ للبؤس الذي يعيشه جنودها، حيث الجوع مستمر ولا لباس يدفئ ولا عقاقير لمعالجة الإصابات والجروح التي تؤدّي الإصابة بها إلى الموت.
وهذا ما يضيف إلى الجنود القتلة سمة من الرثاء، فحتى حين توصف، بكثير من التفصيل، عملية اغتصاب القائد لآغو، حرص الكاتب على إظهار هذا الأخير بصورة المعتذر على ما فعله، مع العلم أن فعل الاغتصاب متكرّر وليست ضحيته آغو وحده، إذ سبق لستريكا أن كان هو الضحيّة.
فلنقل إنها رواية عن الحرب عامة، وإن كان بطلها ذاك الصبيّ.
الحرب المجهولة الأسباب والأهداف والدوافع، التي ربما يتشارك فيها الكبار مع الصغار.
لا نفهم من الرواية لماذا أصر الكاتب، على إظهار القائد في صورة الخفِر والمعتذر عن فعلته الشنيعة، ولماذا صوّره رؤوفا بجنوده حين يخطر له الخروج عن مألوفه العنيف.
ولماذا جعله في صورة القائد العسكري العادي بأن قرأنا وصفه واقفا أمام خرائط القتال ينقّل نظره بينها، ثم إن هذا التراوح للصبيّ بين أن يكون الضحية، لكن الحاملة لنوازع الكبار، التي منها القتل.
ألا يدلّ ذلك إلى رغبة الروائي بالخروج عن الأوصاف المكرّسة لمن هو طيّب ومن هو الشرّير.
هذه الصفات المتناقضة، بل المتنازعة في وعي الصبي المتقلّب، بين رغبته المشاركة في القتل والحنين إلى حياة الأسرة، هي ما يخرج بالرواية عن كونها مجرد عمل مضاد للحروب وللقائمين بها.
الرواية تقول إنهم كلهم ضحايا، ولهذا ساوى فصلها الأخير بين القائد والصبي ستريكا فقُتل الأخير من دون أن يكون متهيّئا للموت، وقتل الثاني، القائد العنيف والشرس، من دون أن يحملنا مقتله على التشفّي.
وفي خلفية المآسي المذكورة أعلاه هناك دائما ما يجري في الخلفية، أعني في ما يتعدّى التركيز على الشخصيات الأساسية في الرواية.
هناك والد آغو الذي لم تقدّمه الرواية لنا إلا وهو في لحظة مقتله وحرقه، والأم التي أُخذ منها ابنها ولم تعد تظهر في ما تلا من الرواية، وكذلك الكثيرون ساكنو القرى الذين لا يطول انتقالهم إلى مكان جديد حتى تعالجهم غزوة قتل جديدة.
والموت دائما حاضر ومتربّص.
ومن يقرأ الرواية في بلداننا يروح يماهي وقائعها مع ما يجري في بلداننا، الأكثر مدنية من عالم الأدغال الذي تصوّره الرواية، لكن القائم هو أيضا على التنازع والحرب.
هكذا كأن المعرفة بأسباب الخراب لا تستبعد الاندفاع إليه.
هكذا نحن، تكون الحرب أينما نكون، هذا ما تقوله الرواية.
*»وحوش بلا وطن» رواية النيجيري أوزودينما أيلويلا نقلها إلى العربية حيدرة أسعد، لداري تكوين ومرايا سنة 2024.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك