بهدف تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية في سورية وتطوير الحوكمة الصحية المحلية، في إطار خطة إصلاح القطاع الصحي والاستجابة للاحتياجات المتزايدة في البلاد، أعلنت وزارة الصحة السورية إطلاق مشروعَين استراتيجيَّين، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة" أون بونتيه بير" (جسر إلى) الإيطالية التطوعية.
وأُطلق المشروعان في مجمّع ابن النفيس الطبي بالعاصمة دمشق، اليوم الأربعاء، بحضور وزير الصحة مصعب العلي وممثّلين عن الجهات الشريكة، وسط تأكيد رسمي على أهمية التنسيق الدولي في دعم القطاع الصحي السوري.
وتتضمّن المبادرة تمويلاً أوروبياً بقيمة ثمانية ملايين يورو (نحو تسعة ملايين و450 ألف دولار أميركي)، يخصَّص لدعم البنية التحتية الصحية في سورية وبناء القدرات المؤسسية على مدى ثلاثة أعوام.
وأفاد وزير الصحة السوري، في تصريح اليوم، بأنّ هذه الخطوة تأتي من ضمن خطة تستهدف الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2028، مشيراً إلى أنّ تعزيز الرعاية الأولية يمثّل مدخلاً أساسياً لتعافي القطاع الصحي وضمان استدامته.
من جهته، أوضح القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سورية ميخائيل أونماخت أنّ التمويل الأوروبي للمشروعَين الاستراتيجيَّين يهدف إلى تدريب كوادر وخبراء صحيين ودعم القدرات المؤسسية، بما يعزّز الحوكمة الصحية على المستوى المحلي.
ويركّز المشروع الأوّل على إعادة تأهيل 22 مركزاً صحياً في جنوب حلب، شمالي سورية، مع تزويدها بسيارات إسعاف ونظام إحالة متطوّر، بما يساهم في تحسين الوصول إلى الخدمات الطبية، ولا سيّما في المناطق الريفية.
أمّا المشروع الثاني فيركّز على تطوير القيادة والإدارة في القطاع الصحي، إلى جانب دمج خدمات الصحة النفسية من ضمن منظومة الرعاية الأولية، في خطوة تهدف إلى تحسين جودة الخدمات وتوسيع نطاقها.
في الميدان، يترقّب العاملون في القطاع الصحي والأهالي في ريف حلب انعكاسات المشروعَين الجديدَين على واقع الخدمات اليومية، في ظلّ تحديات تتعلّق بنقص التجهيزات والكوادر وضغط المراجعين.
ويقول الممرّض السوري سامر الخالد، الذي يعمل في أحد المراكز الصحية بريف حلب الجنوبي، لـ" العربي الجديد"، إنّ" دعم التجهيزات وتوفير سيارات إسعاف من شأنهما أن يساعدا بصورة مباشرة في تحسين سرعة الاستجابة للحالات الطارئة، ولا سيّما في القرى البعيدة التي تعاني من صعوبة الوصول إلى المستشفيات في مدينة حلب".
ويشير الخالد إلى أنّ" حالات إسعافية كثيرة كانت تُنقَل في وسائل بدائية أو بعد انتظار طويل، ما يضاعف المخاطر الصحية على المرضى، خصوصاً كبار السنّ منهم وكذلك النساء الحوامل".
يضيف أنّ" تزويد المراكز بالمعدات الأساسية وأدوية الطوارئ يخفّف الضغط عن المستشفيات المركزية، ويمنح الكوادر قدرة أكبر للتعامل مع الحالات في موقعها من دون الحاجة الدائمة إلى الإحالة".
ويشدّد الممرّض السوري على" أهمية استمرار الدعم وعدم الاكتفاء بمرحلة التأهيل الأولية"، مبيّناً أنّ" استقرار التمويل وتأمين الحوافز المناسبة عنصران حاسمان لضمان بقاء الكوادر الطبية في الريف ومنع تسرّبها إلى المدن أو إلى خارج سورية".
في الإطار نفسه، تقول المواطنة السورية مروة عبد الصمد، من سكان ريف السفيرة، جنوبي حلب، لـ" العربي الجديد"، إنّ" أقرب مركز صحي إلى قريتي يفتقر حالياً إلى عدد من الخدمات الأساسية، من قبيل التحاليل المخبرية وعدد من أدوية الأمراض المزمنة، ما يُضطرّ الأهالي إلى قطع مسافات طويلة نحو مدينة حلب لتلقّي العلاج".
تضيف أنّ" كلفة النقل وحدها تمثّل عبئاً إضافياً على العائلات، خصوصاً في ظلّ الظروف المعيشية الصعبة".
وتشير عبد الصمد إلى أنّ" مرضى كثيرين يؤجّلون مراجعة الطبيب بسبب مشقّة الطريق وطول فترات الانتظار في المستشفيات العامة"، وتعبّر عن أملها بأن يساهم المشروع الجديد في" تخفيف الأعباء المادية وتقصير زمن الانتظار، وأن ينعكس ذلك على تحسين مستوى الخدمات في المراكز القريبة من القرى، فتصير بالتالي قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من دون الحاجة الدائمة إلى إحالة المرضى إلى المدينة".
وكان مدير صحة حلب محمد وجيه جمعة قد بحث، في 20 فبراير/شباط الجاري، مع وفد من منظمة" أون بونتيه بير" الإيطالية آليات تنفيذ مشروع دعم الصحة المتكاملة في منطقتَي السفيرة وتل الضمان، الذي يشمل إعادة تأهيل 17 مركزاً صحياً إضافياً.
يُذكر أنّ المنظمة التطوعية الإيطالية تنشط، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في مختلف بقاع العالم حيث تقوم نزاعات مسلحة، خصوصاً في منطقتَي الشرق الأوسط والبلقان.
في هذا السياق، كانت وزارة الصحة السورية قد وقّعت، في وقت سابق، ثلاث اتفاقيات مع منظمة" الأمين" تهدف إلى تشغيل 80 منشأة صحية في محافظات إدلب وحلب وحماة وحمص، تشمل مراكز رعاية أولية، ووحدات غسل كلى، وعلاجات فيزيائية، وأطرافاً صناعية، بالإضافة إلى بناء مركزَين صحيَّين متطوّرَين في القصير، وسط سورية، وفي ريف دمشق.
يُذكر أنّ" منظمة الأمين" أو الجمعية الدولية لرعاية ضحايا الحروب والكوارث" الأمين" هي منظمة إنسانية غير هادفة للربح تأسّست في عام 2012 بوصفها مبادرة مجتمعية تطوّعية أطلقها أطباء وأكاديميون استجابةً لاحتياجات المتضرّرين من الحرب في سورية، وهي ما زالت تقدّم خدماتها اليوم حيثما تستدعي الحاجة.
ومن شأن كلّ هذه الاتفاقيات أن تضمن استدامة الخدمات الصحية في سورية وتأمين الأدوية ورواتب الكوادر، بما يخدم نحو مليون شخص حتى نهاية عام 2026، في ظلّ مساع رسمية لتعزيز تعافي القطاع الصحي وتوسيع نطاق الرعاية الأولية في مختلف المناطق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك