تواصل مستشفيات مدن صور والنبطية وبنت جبيل أداء مهامها الطبية والإسعافية، رغم أنها باتت في الخطوط الأمامية للمواجهة، حيث تتكرّر الاستهدافات الإسرائيلية في محيط كلّ منها، وتتسبب غالباً بسقوط شهداء وجرحى وأضرار جسيمة، في ظل الخشية من حصار المدينة وانقطاع الوقود والإمدادات الطبية والغذائية.
تواجه المستشفيات في جنوب لبنان ضغوطاً متزايدة مع استمرار الغارات الإسرائيلية التي تطاول محيط المرافق الصحية.
ويعكس استهداف محيط مستشفى جبل عامل في مدينة صور، أخيراً، حجم المخاطر التي تواجهها الطواقم الطبية والمرضى، في وقت تواصل فيه المستشفيات عملها رغم الأضرار والقلق من تعطل الإمدادات واستمرار التصعيد.
وكانت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مفرق بلدة معركة مقابل مستشفى جبل عامل، قد ألحقت أضراراً واسعة بالمستشفى، بعدما طاول القصف مبنًى وموقفاً للسيارات في محيطه، وذلك مطلع يونيو/حزيران الجاري.
وامتدت الأضرار إلى غرف المرضى ومركز غسل الكلى وساحة المستشفى، فيما أدى انقطاع التيار الكهربائي عن أقسام العناية الفائقة إلى تعطّل إمدادات الأكسجين عن المرضى لفترة من الوقت.
من جهتها، أعلنت وزارة الصحة العامة في لبنان أنّ الغارة الإسرائيلية التي استهدفت محيط مستشفى جبل عامل في مدينة صور، أسفرت عن سقوط أربعة شهداء وإصابة 127 شخصاً بجروح، من بينهم 39 من أفراد الطاقم الطبي والتمريضي والإداري في المستشفى.
وتوزّعت إصابات العاملين في المستشفى بين أربعة أطباء و27 ممرضاً وممرضة وثمانية موظفين، وُصفت حالة أربعة منهم بالحرجة.
يقول مدير مستشفى جبل عامل الدكتور وائل مروة لـ" العربي الجديد"، إنّ المشاهد والصور التي انتشرت بعد الاستهداف تعبّر أكثر من الكلمات عن حجم الأضرار.
ورغم ذلك، يؤكد أن المستشفى واصل عمله ولم يتوقف عن أداء مهامه الطبية.
ويوضح أن نحو 36 مريضاً كانوا داخل المستشفى وقت الغارة، موزّعين على أربعة طوابق.
ويعتبر مروة أن الاستهداف يأتي في إطار الحرب النفسية على القطاع الصحي، مؤكداً أن المستشفى سيواصل أداء واجبه الإنساني والطبي بغض النظر عن التهديدات.
ويلفت إلى أن الأضرار طاولت أجزاء داخلية وخارجية من المستشفى، إلا أن الحصيلة كانت أقل خطورة ممّا كان يُخشى.
وعلى الرغم من الاستهداف، استقبل المستشفى نحو 45 مصاباً جراء الغارة الإسرائيلية.
ويضيف مروة أنه في لحظة الغارة خرج قسم العناية القلبية المركزة عن الخدمة نتيجة الأضرار، إلا أن الإدارة سارعت إلى تجهيز قسم بديل خلال وقت قصير لضمان استمرار تقديم الرعاية للمرضى، حيث جرى نقل المرضى وتأمين استمرار الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن المرضى الذين كانوا على أجهزة التنفس أو في الأقسام الحساسة لم يتعرضوا لأي أذى مباشر، كما لم تُسجّل أي وفيات داخل المستشفى نتيجة الاستهداف.
ويتحدث مروة عن وجود طفلين في الحضانة وقت الغارة، مؤكداً أنهما لم يتعرّضا لأي إصابات، وأن وضعهما الصحي بقي مستقراً.
ورداً على سؤال حول المخاوف المتعلقة بنقص المعدات الطبية والمستلزمات، يوضح مروة أن القلق لا يرتبط بالوضع الحالي فقط، بل بما قد يحدث خلال الأسابيع المقبلة، في ظل الخشية من انقطاع الإمدادات الطبية أو عدم التمكن من تأمين الوقود"، مشيراً إلى أن" إدارة المستشفى تعمل على إدارة الموارد المتوفرة بأفضل الممكن".
وفيما كان مستشفى جبل عامل يؤوي نازحين من عائلات أفراد الكادر التمريضي من بينهم أطفال، يؤكد مروة أن الأطفال لم يتعرّضوا لأي أذى وأنهم خرجوا سالمين من الغارة.
ويكشف أن المستشفى استعاد تشغيل معظم خدماته الأساسية، بما فيها أقسام غسل الكلى التي عادت إلى العمل بصورة طبيعية بعد معالجة الأعطال الناجمة عن الاستهداف.
ويوضح أن المستشفى يضمّ اليوم نحو 90 مريضاً ما بين جرحى ومرضى عاديين.
وفي ما يتعلق بمحاولات منع تكرار استهداف المستشفى، يؤكد مروة أنه يبذل جهوداً للحصول على ضمانات عبر لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية" الميكانيزم" وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) والجيش اللبناني، إلا أنه يعترف بأن هذه الضمانات غير متوفرة فعلياً حتى الآن، وأن الطواقم الطبية ما تزال تعمل في ظل مخاوف حقيقية من تكرار الهجمات.
لا تقتصر تداعيات الاستهدافات الإسرائيلية على مستشفى جبل عامل، إذ تواجه باقي مستشفيات مدينة صور ظروفاً مشابهة، وسط مخاوف من تدهور الوضع الصحي في حال استمر القصف وتعطّلت خطوط الإمداد.
من جهته، يصف رئيس مجلس إدارة مستشفى حيرام الدكتور سلمان عيديبي الوضع الصحي والطبي في مدينة صور بالمأساوي، مشيراً إلى أن الطواقم الطبية تضطر إلى المجازفة بشكل يومي لتأمين استمرارية العمل.
ويقول لـ" العربي الجديد" إنّ المستشفى يضطر لإرسال موظفين إلى مدينة صيدا المجاورة للحصول على المستلزمات والأدوات الطبية من الشركات المورّدة، في وقتٍ يشكّل فيه التنقل على الطرقات المستهدفة خطراً دائماً، ويحمّل الإدارة مسؤولية كبيرة تجاه سلامة العاملين فيه.
ويلفت عيديبي إلى أن مستشفى حيرام تعرّض منذ بدء العدوان الإسرائيلي لأربع غارات في محيطه، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة في مبانيه ومرافقه.
ويؤكد أن عدم وقوع إصابات بين المرضى والموظفين يعود إلى ما يصفه بـ" العناية الإلهية" التي حمت الموجودين داخل المستشفى رغم تكرار الاستهدافات وقربها من المنشأة الصحية.
ويشير إلى أن المستشفى ما يزال قادراً على الصمود بفضل الدعم الذي يتلقاه من وزارة الصحة اللبنانية ومنظمة أطباء بلا حدود التي تؤمّن الوقود اللازم.
ويؤكد عدم وجود نقص في الكادر الطبي، لافتاً إلى أن المستشفى يواصل العمل في مختلف الاختصاصات، ويضم نحو 130 شخصاً بين أطباء وممرضين وإداريين وموظفي صيانة وعاملين في المطبخ، ونحو 40 مريضاً.
في المقابل، لا يُخفي عيديبي وجود شحّ في المواد الغذائية، مشيراً إلى أن المخزون لا يكفي لأكثر من أسبوع.
ويعزو ذلك إلى صعوبة وصول الشركات التجارية والمورّدة إلى مدينة صور في ظل المخاطر الأمنية والاستهدافات المتواصلة.
تتكرر الهواجس ذاتها في مستشفياتٍ أخرى ضمن مدينة صور، حيث يزداد القلق من احتمال فرض حصار على صور وصعوبة تأمين المستلزمات الطبية والغذائية.
وفي حديثه لـ" العربي الجديد"، يقول رئيس قسم الجراحة في المستشفى اللبناني الإيطالي، الدكتور إبراهيم فرج، إنّ مستشفيات مدينة صور باتت في الخط الأمامي للمواجهة، والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.
ويضيف: " لا يمرّ يوم من دون جرحى أو غارات، كما أن محيط كل مستشفيات صور تعرّض للاستهداف.
أما المستشفى اللبناني الإيطالي فقد تعرّض لأربع غارات في محيطه، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة".
ويُعرب فرج عن خشيته من فرض حصار على المدينة، موضحاً أن الشركات الطبية لم تعد قادرة على الوصول إلى صور بشكل منتظم.
ويقول: " توجهت منذ أيام إلى صيدا للحصول على اللوازم الطبية، كما أمّنت كميات من المواد الغذائية والخبز تكفي لمدة أسبوع، إلا أنّ التنقل بات خطراً، لكنّنا لا نتخلّى عن واجبنا الإنساني".
ويشير فرج إلى أن الكادر التمريضي في المستشفى، والبالغ عدده نحو 70 شخصاً، يعمل من دون توقف منذ نحو 90 يوماً.
ويضيف: " الكادر مرهق جداً، لكن لا خيار أمامنا سوى الاستمرار.
كما نحرص على عدم إشغال المستشفى بعدد كبير من المرضى لفترات طويلة، لذلك نُحوّل الحالات التي تستدعي متابعة أو استشفاءً أطول إلى مستشفيات مدينة صيدا".
ويلفت إلى أن المستشفى يضم مختلف الاختصاصات الطبية، باستثناء جراحة العيون، ما يتيح له الاستمرار في استقبال معظم الحالات المرضية والطارئة.
ويشدّد فرج على أن ما يُتداول بشأن خلوّ مدينة صور من السكان غير صحيح، موضحاً أنّ المدينة لا تزال تضمّ نازحين يقيمون فيها منذ بدء حرب إسناد غزة عام 2023، ويتوزّعون على مراكز إيواء مختلفة ويتلقون العلاج في مستشفيات المدينة.
ويحذّر من ازدياد الأمراض خلال الصيف الحالي، نتيجة تراجع الاهتمام بالنظافة العامة وانتشار العدوى بسرعة، ولا سيّما بين الأطفال.
ويُعدّ مستشفى تبنين الحكومي في قضاء بنت جبيل، أقرب مستشفى إلى الحدود، وقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية في 2 يونيو، إصابة 11 شخصاً بجروح، من بينهم طبيب وخمسة موظفين من المستشفى، نتيجة غارة استهدفت محيطه، قبل أن تبرز لاحقاً مزاعم إسرائيلية تدّعي أنّ حزب الله استولى خلال الحرب على مستشفى تبنين الحكومي، واستخدمه لنقل المقاتلين ومعالجتهم، فضلاً عن اتّهام الحزب باستغلال البُنى التحتية الطبية لأغراض عسكرية.
ويعلّق رئيس مجلس الإدارة ومدير مستشفى تبنين الحكومي الدكتور محمد حمادي لـ" العربي الجديد"، بالقول: " إنّ هذه الادّعاءات عارية تماماً عن الصحة ولا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة، وتندرج في إطار محاولات تشويه الحقائق وبثّ الخوف بين الموظفين والمواطنين لمنعهم من التوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج والخدمات الصحية".
ويتحدث حمادي عن" وجود مركز للجيش اللبناني داخل المستشفى منذ بداية الحرب، وبشكل يومي ومستمر، إضافةً إلى مستوصف تابع للجيش اللبناني ضمن حرم المستشفى، الأمر الذي يعكس الطابع الرسمي للمؤسسة، وطبيعة عملها".
ويشير إلى أن المستشفى لا يعاني حالياً نقصاً في المواد الطبية أو الوقود، إذ تُؤمّن هذه المواد من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجلس الجنوب، كما أن المواد الغذائية متوفرة، إلا أنه يتحدث عن مخاوف حقيقية من قطع الطرقات ومحاصرة المستشفى، في ظل موقعه القريب من الحدود، ما يجعله في ما يشبه الخط الأمامي للأحداث.
ويؤكد حمادي أن المستشفى يضم حالياً نحو 60 عاملاً، بينهم 10 أطباء و50 موظفاً من الكوادر التمريضية والإدارية، إضافة إلى عمال الصيانة والمطبخ.
ويؤكد عدم وجود أي نقص في الاختصاصات الطبية، ولا سيّما الجراحية منها، ما يتيح للمستشفى الاستمرار في تقديم خدماته الصحية.
ويختم بالتنبيه إلى الإرهاق الذي يعانيه الكادر التمريضي نتيجة ضغط العمل، موضحاً أن صعوبة وصول عدد من الموظفين تحول دون تأمين عدد أكبر من العاملين للمناوبة وتوزيع الأعباء.
وفي مدينة النبطية (جنوب) التي تضمّ ثلاثة مستشفيات تعرّض محيط كلّ منها لاعتداءات إسرائيلية متكرّرة، يقول مدير مستشفى النبطية الحكومي الدكتور حسن وزنة، لـ" العربي الجديد"، إنّ الغارات الإسرائيلية في 30 مايو/أيار الماضي، تسبّبت بأضرار خارجية في المستشفى، شملت تحطم الزجاج وتضرر بعض الأسقف والجدران، ما أدى إلى إصابات طفيفة بين أفراد الكادر الطبي.
ويوضح وزنة أن منظمة أطباء بلا حدود ما تزال تؤمّن للمستشفى جزءاً من احتياجاته الطبية، ولا سيّما الأكسجين، إلا أن المؤسسة تواجه تحديات متزايدة مرتبطة باستمرار انقطاع التيار الكهربائي عن مدينة النبطية.
ويضيف: " نقوم بإصلاح المولّدات الكهربائية، لكنّنا نخشى انقطاع الوقود في حال تعذّر وصول الشركات المورّدة".
كما يُبدي وزنة مخاوفه من ازدياد عزلة المدينة إذا طال أمد التصعيد، خصوصاً مع المخاطر المرتبطة بالتنقل.
ويقول: " لا توجد موافقات أمنية لتحرك سيارات المستشفى من أجل تأمين المستلزمات الطبية والغذائية من مدينة صيدا، لذلك نضطر للتنقل على مسؤوليتنا الخاصة".
ويشير وزنة إلى أن المستشفى يضمّ 12 طبيباً من مختلف الاختصاصات، و75 موظفاً من الكادرين التمريضي والإداري، إضافة إلى 10 عمال خدمات، فيما يستقبل حالياً نحو 15 جريحاً يتلقون العلاج والرعاية الطبية".
وفي 30 مايو الماضي، استهدفت غارة إسرائيلية منطقة واقعة عند مدخل مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، بالقرب من تجمع لسيارت الإسعاف والطواقم الطبية والصحافيين، وأدّت إلى تناثر الحجارة والركام في محيط المستشفى، والتسبّب بأضرار.
وفي السياق، تتحدث مديرة مستشفى النجدة الشعبية الدكتورة منى أبو زيد لـ" العربي الجديد" عن الظروف الصعبة التي تواجهها المؤسسة الصحية في ظل التصعيد العسكري المستمر، مشيرةً إلى أن التنقل بات محفوفاً بالمخاطر، وبات العاملون مضطرّين إلى الحصول على أذونات مسبقة لنقل الطعام والمستلزمات الأساسية.
وتوضح أن المشكلة لم تعد تقتصر على قطع الطرقات، بل على استهداف أي سيارة أو مواطن يتحرك في المنطقة.
وتُعبّر أبو زيد عن تشاؤمها إزاء المرحلة المقبلة، معتبرةً أن الأيام القادمة ستكون أكثر صعوبة نتيجة استمرار العمليات العسكرية واتّساع نطاقها.
ووفق أبو زيد، يواجه المستشفى اليوم تداعيات مباشرة على مستوى الخدمات، مع انقطاع الكهرباء، وتوقف خدمات الإنترنت، واعتماد الاتصالات على شبكات الهاتف الخليوي بشكل محدود.
وتقول: " هذه التطورات تشكل بداية أزمة حقيقية قد تتفاقم مع مرور الوقت.
أما بالنسبة للوقود فهي تصل إلينا، لكن عبر أذونات خاصة، ما يثير القلق بشأن إمكانية استمرار تزويد المستشفى بالمحروقات، خصوصاً أن منح هذه الأذونات ليس مضموناً، ما يهدد القدرة على مواصلة العمل".
وتؤكد أبو زيد أن المستشفى ما يزال قادراً على العمل بفضل بقاء عدد من الأطباء والكوادر الطبية فيه، لكنها تنبّه إلى نقصٍ حادّ في اختصاص جراحة العظام، وهي مشكلة تشمل معظم مستشفيات المنطقة.
وتكشف أنّ عدد العاملين انخفض من نحو 120 شخصاً إلى ما يقارب 70 موظفاً حالياً، بينهم أربعة أطباء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك