مَن هذه التي تمضي حافية في حواري القدس وأزقتها؟سأل سرحان ناظراً إلى امرأة، هينة المنظر، جليلة المخبر، فاضت روحها على وجهها ورعاً ومهابة.
- كيف لا تعرفها، إنها فاطمة بنت عبدالله النيسابورية.
- سيدة جاءت من خراسان، أبوها كان أحد الأمراء هناك، وُلدت في قصر، تحت يدها الخدم والجواري والحشم والحرس، لكنها تركت كل هذا، داسته بقدميها، وسارت في طريق الله.
- قرار لا يقوى عليه إلا أولو العزم.
تعجب سرحان مرة أخرى، وهو يملأ عينيه من قدميها الحافيتين، ورأى عرفان إلى أين يمتد بصره، فقال له:
- سمعت أنها حجّت من بيت المقدس إلى مكة ماشية على قدميها، وإلى جانبها زوجها، وهو مثلها، رجل تقي عارف.
- لا، بل رجل زاهد صاحب علم، اسمه أحمد بن خضراويه البلخى، ذاع صيته في بلاد فارس، فطلبته للزواج حين جاء أوانه.
- كان أبوها صاحب دين وحكمة، عمل على أن يُحسن تربيتها وتعليمها، وأوكل هذا لبعض أهل العلم، فحفظت القرآن الكريم، والحديث النبوي، وتفقّهت فى الشريعة، وصارت عنده ذات منزلة، فلمَّا طلبت هذا الفقير ليكون زوجها، لم يرد الأب لها طلباً، بل بارك اختيارها، وعده نتاج ما رباها عليه.
- أحسنت الاختيار، فلا شك أن زوجها قد علَّمها الكثير.
- علمها في البداية، وأنصتت إليه، لكنها مع الأيام فاقته علماً وعزماً، حتى إن أبا يزيد البسطامي قال له ذات مرة:
- البسطامي! هل كان هذا القطب الكبير يعرفها؟ سأل سرحان.
- هو أحد تلاميذها، التقاها ببيت المقدس في شبابه، وجلس إليها وتعلم منها، وكان يقول عنها: «ما رأيت في عمري إلا رجلاً وامرأة، فالمرأة كانت فاطمة النيسابورية، ما خبرتها عن مقام من المقامات إلا وكان الخبر لها عياناً».
ولم ينسَ البسطامي فضلها حتى بعد أن صار ملء السمع والبصر، وكان يقول عنها أيضاً: «كنت أسوق نفسي لله وهي تبكي، فأصبحت أسوقها وهي تضحك».
وذات مرة سألها البسطامي: كيف أتعلم محبة الله؟ فابتسمت وأجابته: «حب الله لا يُتعلم، ولكنه يوهب من الحبيب».
قال عرفان هذا ثم غرق في ابتسامة طويلة، فسأله سرحان:
- تذكرت موقفاً للبسطامي معها، فهي كانت قد اعتادت طوال عمرها أن تخضب يديها بالحناء، وذات مرة سألها البسطامى: «إنك تضعين الحناء بيدك! أنا لم أرَ هذا من قبل! فما الذى حدث؟ »، فردت على الفور: قضيت عمرى وأنا أضع الحناء، والتقيت بك وجلست معك وأنا على هذه الحال، وكنت وقتها لا ترى إلا روحى، والآن ترى زينتى، فلا يحلّ لى أن ألتقى بك ثانية.
هذا فراق بينى وبينك.
ومن يومها لم يلتقيها مرة أخرى.
لكن ما لم يتحاور بشأنه سرحان وعرفان هو أن فاطمة النيسابورية كانت لها يد طولى فى وضع بذرة التصوف الإسلامى فى مصر، حين تلقى عليها ذو النون، الذى يعدّه المؤرخون أول المتصوفة المصريين، ويقول عنه القشيرى فى رسالته الشهيرة إنه أول من وضع تعريفات للوجد والسماع والمقامات والأحوال وقبلها التوحيد بمعناه الصوفى، حيث يقول ذو النون عنها: فاطمة ولى من أولياء الله تعالى، وهى أستاذى.
التقاها ذو النون الذي امتد عمره بعد وفاتها اثنين وعشرين عاماً، في بيت المقدس، وكان قد سمع عن معرفتها وتقواها، فاقترب منها، وقال له:
نظرت إليه، فأدركت الصلاح يطل من عينيه، وقالت له:
- الزم الصدق، وجاهد نفسك فى أفعالك.
- ما رأيت أجل من امرأة رأيتها بمكة يُقال لها فاطمة النيسابوريةـ وكانت تتكلم في فهم القرآن، وتعجّبت منها.
وجلس إليها ذو النون يسألها فتجيبه، فيلقى طيب كلامها في نفسه أثراً عميقاً.
ولما استملحت رغبته فى المعرفة والتقوى، أرسلت إليه هدية، فلم يقبلها، متذرعاً بأنها امرأة، ومن غير اللائق أن يقبل هدية من امرأة مهما كان قدرها، وقال لرسولها إليه:
- في قبول أرفاق النسوان مذلة ونقصان.
فلمَّا عاد من أرسلته بهديتها، وأخبرها بما قاله ذو النون، أرجعته مرة أخرى، بعد أن أرفقت هديتها بورقة كتبت فيها «الصوفي الحقيقي لا ينظر إلا للعاطي الوهاب، فهو العاطي الأوحد، أما نحن فأسباب».
فلمَّا قرأ ذو النون رسالتها، هزّ رأسه في امتنان، وقبل الهدية على الفور.
- هل أتى أحد ممن أرّخوا للتصوف على ذكرها؟- نعم، ذكروا لها أوصافاً طيبة، ونسبوا إليها أيضاً أقوالاً عميقة.
وقد جاء في الأثر في وصف فاطمة أن «قلبها كان مرآة لعلم الغيب، ولسانها ميزان الشريعة».
وقال عنها عبدالرحمن السلمي إنها من العارفات الكبار، لم يكن في زمانها في النساء مثلها»، ويُقال إنها قد تبحّرت في علوم الفقه والشريعة وفي العلوم الذوقية والقلبية حتى أصبح المتصوفة من الرجال يقصدونها ليأخذوا هذه العلوم عنها.
- هل تتذكر شيئاً من أقوالها؟ سأل سرحان.
- ما قيل فى صفاتها ومكانتها تدل عليه أقوالها العميقة، ومنها:
«من لم يراقب الله تعالى في كل حال فإنه ينحدر في كل ميدان، ويتكلم بكل لسان.
ومن راقب الله في كل حال أخرسه إلا عن الصدق، وألزمه الحياء منه والإخلاص له».
وقولها: «من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص».
وقولها أيضاً: «الصادق والمتقي اليوم في بحر يضطرب عليه أمواجه، ويدعو ربه دعاء الغريق، يسأل ربه الخلاص والنجاة».
قال سرحان: سمعت أن هناك اختلافاً حول عمر هذه النيسابورية.
- اختلف الرواة في تقدير عمر فاطمة النيسابورية، فمنهم من قال إنها بلغت السبعين، ومنهم من زاد على ذلك عشر سنوات.
وحين وافتها المنية أثناء أدائها العمرة في مكة سنة ثلاث وعشرين ومائتين، يقال إنها كانت جالسة في الحرم، وإلى جانبها زوجها، وحولها تلاميذها، فراحت تُردد: «الله الله الله»، ثم أسلمت الروح لبارئها، ولم تمض سوى أيام حتى لحق زوجها بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك