لم يكن «مسجد العوام» بمدينة مرسى مطروح مجرد مسجد تُؤدَّى فيه الصلوات الخمس فقط، بل يُعد منارة علمية كبيرة، تُقام به الأنشطة الدينية والتثقيفية والتوعوية، وحلقات الذكر، وتعليم القرآن الكريم والسنة النبوية.
أُنشئ «مسجد العوام» في موقع مميز على كورنيش مرسى مطروح منذ قرابة 100 عام، ويُعد من أقدم بيوت الله في محافظة مطروح، وجرت إعادة إنشائه على شكله الحالي عام 1969، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وشهد أعمال ترميم وتطوير شاملة مؤخرًا، ليواكب احتياجات المصلين، ويستمر كمركز إشعاع ديني وثقافي.
وتعود تسمية المسجد نسبة إلى ولي الله الصالح سيدي العربي الأطرش الخطابي الإدريسي الحسني، والملقب بـ«سيدي العوام»، حيث يعود نسبه إلى آل بيت الرسول، صلى الله عليه وسلم، وارتبط المسجد بأسطورة قديمة تُروى بمطروح منذ عهد الملك فؤاد الأول، حين وجد الأهالي جثمانه طافيًا على سطح البحر دون أن يتأثر، فشيّدوا له مقامًا، ثم مسجدًا، وأقيمت له الموالد لسنوات طويلة حتى توقفت، واعتبروه مَعلمًا روحانيًا في مطروح.
يتضمّن المسجد قبة ضخمة ترتفع إلى 10 أمتار، تلتف حولها مئذنتان شاهقتان، حسب الشيخ محمود مخلوف، إمام وخطيب مسجد العوام، الذي أكد لـ«الوطن» أن الجدران الداخلية للمسجد تتزين بنقوش على الطابع الفاطمي، مما يمنحه طرازًا معماريًا فنيًا وروحانيًا مميزًا، ويجعله من معالم مطروح الدينية الجاذبة للزائرين من مختلف المحافظات، كما يُقام بأروقة المسجد الكثير من البرامج والأنشطة الدينية والتثقيفية، تضم المقرأة النموذجية لكبار الأئمة والعلماء، ومبادرة «صحح مفاهيمك»، والبرنامج الصيفي للأطفال والشباب والفتيات، وندوات دينية للسيدات، والأسبوع الثقافي، وحلقات الذكر، والقوافل الدعوية، بالتعاون مع مشايخ الأزهر الشريف.
وقال إبراهيم خليفة، أحد رواد مسجد العوام، لـ«الوطن»، إنه يسير على قدميه لمسافة تقارب 4 كيلومترات عدة مرات يوميًا، من منزله، حتى المسجد، لأداء صلاة الفجر.
وأضاف: «شعوري بالراحة النفسية داخل المسجد جعلني أرتبط به منذ سنوات، كما أن المشاركة في الفعاليات الدينية والندوات، وتعليم تجويد وتفسير كتاب الله، حتى أصبح ارتباطي والكثير من رواد المسجد، ارتباطًا فطريًا بكيان كبير، أحاطنا دفئًا، فمن خلاله نعرف تفاصيل ديننا، ونتعلم تصحيح مفاهيمنا، فيتغذى العقلُ والقلبُ والروحُ بنفحات إيمانية تُعيننا على الحياة».
«صوت الإمام العذب، والروحانيات الجميلة، جعلتني أُحب المسجد»، حسب خالد عبد الله، من رواد مسجد العوام.
وتابع قائلًا لـ«الوطن»: «ناهيك عن الدروس الدينية المفيدة، والتي تتميز بقصر وقتها غير الممل، وقيمتها الكبيرة، وقضاياها الأهم، فهي تناقش كل ما يشغل المواطنين في أمور الحياة، بخلاف الأجواء الرمضانية الجميلة، والكلمات الطيبة التي نستمع إليها من المواعظ والندوات، وحلقات العلم والذكر، وما نراه من جبر الخواطر للبسطاء والمستضعفين المترددين، وهو ما تحرص عليه إدارة المسجد بشكل دائم».
من جانبه، قال الدكتور محمد رحيل، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآثار واللغات بجامعة مطروح، لـ«الوطن»، إن افتتاح مسجد العوام كان عام 1910، في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، حسبما كتب أحمد شفيق باشا، في كتاب «مذكرات في نصف قرن ج2»، والذي قام بافتتاح المسجد يرافقه يوسف لطفي بك، وإبراهيم أدهم بك، مأمور الأوقاف بالإسكندرية، والشيخ محمد بخيت، قاضي الثغر الشرعي، بحضور شيوخ القبائل، الذين أقاموا سرادقًا للاستماع إلى خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ بخيت، وأضاف أنه كانت لشيخ جامع العوام مكانة كبيرة بين الأهالي، حتى إنهم كانوا يلجأون إليه للفصل في الخصومات بينهم منذ عام 1915.
ولفت «رحيل» إلى أن هناك الكثير من الكتب التي تناولت قصة «العوام» وأسطورة وفاته، والسبب وراء تسمية المسجد بهذا الاسم، منها كتاب «قصصنا الشعبي»، الذي جاء فيه أنه جاء عائمًا من شمال أفريقيا، وقبل أن يصل إلى مرسى مطروح، ظهر للحاكم الإنجليزي لمطروح في رؤياه، وأخبره بأنه سيصل إلى مرسى مطروح، وسيموت فور خروجه من الماء، وأمره أن يبني له ضريحًا في المكان الذي يجد فيه جثته.
واختتم أستاذ التاريخ الإسلامي تصريحاته بالقول إنه تمت إعادة بناء «مسجد العوام» عام 1969، ليصبح من أكبر المساجد وأشهرها في محافظة مطروح، يقصده العامة والخاصة من مختلف المحافظات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك