حمل البورتريه الذاتي الذي أنجزه الفنان البريطاني فرانسيس بيكون (1909 – 1992) في عام 1972 مشهداً بصرياً يعكس حالة نفسية معقّدة، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في التشويه الجزئي للملامح والقوة التعبيرية التي تشعر المشاهد بعمق التوتر الداخلي.
اللوحة، التي تنتمي إلى مرحلة شهدت تحولاً في إنتاجه الفني بعد وفاة رفيقه السابق جورج داير في 1971، تسجل صورة الفنان وتُظهِر، أكثر، ملامح الصراع النفسي عبر لغةٍ بصرية مكثفة تبحث في هشاشة الذات الإنسانية واستجابتها للاضطراب العاطفي.
وفق كتاب المزاد الخاص بجامع اللوحات البريطاني" بي لويس" Bee Lewis Collection، الذي تنظم دار المزادات" سوذبيز" Sotheby’s عرضه في لندن، يعد هذا العمل مثالاً على اللحظة التي تحول فيها بيكون من مجرد مرسّخ لرؤيته الفريدة إلى فنان يعالج موضوعات القلق الوجودي والمشاعر الإنسانية المكبوتة عبر البورتريه الشخصي.
اللوحة التي رسمها بيكون عندما كان في الثالثة والستين من عمره، تظهر استخدامه التشويه والتجريد الجزئي وسيلةً لإضفاء وجودٍ بصري مكثف يتجاوز التمثيل الواقعي للوجه، ويعبر عن حالة نفسية عميقة داخل الحقول البصرية.
لوحة البورتريه الذاتي هي إحدى الأعمال القليلة من نوعها التي تحمل هذا المستوى من الشدة التعبيرية في أعماله من السبعينيات، وتعد وثيقةً فنية عن الحالة النفسية للفنان في تلك الفترة.
رسمها بيكون في 63 من عمره، معتمداً التشويه والتجريد الجزئي تعبيراً عن حالة نفسية.
بعد الانتهاء من اللوحة، أهدى بيكون العمل إلى طبيبه في لندن، الدكتور بول براس، حوالي عام 1983، وذلك بعد أن ساعده في أوقات نفسية عصيبة وعصية.
ثم عرضت اللوحة للبيع في مزاد Sotheby’s لندن في نوفمبر/ تشرين الثاني 1994، حيث بيعت حينها، ثم انتقلت إلى المالك الحالي الذي يعيد طرحها في" مزاد الفن الحديث والمعاصر – جلسة المساء" يوم 4 مارس/آذار المقبل، بقيمة تقديرية تراوح بين 8 و12 مليون جنيه إسترليني.
شاركت اللوحة في عروض متحفية عالمية، من بينها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك (1975)، والمتحف الوطني للفن الحديث في اليابان (1983)، كما تم تضمينها في معرض" فرانسيس بيكون: الحضور الإنساني في المتحف الوطني للصور البورتريه" بلندن (2024–2025)، في اهتمام واضح للمؤسسات الفنية بهذا العمل ضمن سياق تاريخي وفني محدد.
فرانسيس بيكون الذي نشأ في لندن، بدأ حياته الفنية بلا تعليم أكاديمي رسمي، قبل أن يحقق أول اهتمام واسع بأعماله في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي مع" ثلاث دراسات لشخصيات عند قاعدة الصلب" عام 1944.
عرف بأسلوبه الذي يقدّم الشكل البشري في حالات من التوتر والعزلة، مستخدماً ألواناً عنيفة، وتكوينات درامية وتشويهاً بصرياً يهدف إلى التعبير عن العزل والخوف والقلق الوجودي، ما جعل حضوره في الفن الحديث علامةً في مسيرة التعبيرية ما بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك