لم يفاجئ" المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية" كثيرين في فرنسا عندما كشف، قبل أيام، عن أحدث أرقامه حول سوق العمل والوضع الاقتصادي في البلاد.
إذ بدا تقريره الدوري حول الربع الأول من العام الجاري أقرب إلى تأكيد رسمي لما يلاحظه المهتمون بالشأن الاقتصادي، منذ أشهر، من تباطؤ تدريجي للاقتصاد، وركود في الاستهلاك وفي خلق الوظائف، مع ارتفاع في معدلات البطالة.
وبحسب التقرير الذي صدر في 13 مايو/ أيار الماضي، فإن الاقتصاد الفرنسي لم يسجّل أي نمو (0، 0%) خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، في حين ارتفعت معدلات البطالة للفصل الخامس على التوالي لتبلغ 8.
1% من إجمالي الشريحة العاملة، أي ما يزيد على مليونين وستمئة ألف شخص، وهو أعلى مستوى يسجّله المعهد منذ عام 2021 الذي شهد خروج فرنسا من الركود الاقتصادي المرتبط بجائحة كورونا.
وتمثّل هذه الأرقام انتكاسة جديدة لسياسة العمل التي يدافع عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ 2021، والقائمة على خفض البطالة إلى حدود 5% عبر ما سمّاه" التوظيف الكامل"، وهو هدف يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى، على بُعد أقل من عام من مغادرته القصر الرئاسي.
وكان ماكرون، الذي شغل منصب وزير الاقتصاد قبل وصوله إلى الرئاسة، قد بنى جزءاً كبيراً من مشروعه السياسي على وعود بمعالجة الخلل الذي لازم الاقتصاد الفرنسي لعقود، خصوصاً ما يتعلق بضعف سوق العمل وارتفاع البطالة المزمن.
وقد اتخذ في السنوات الأولى من حكمه سلسلة من الإجراءات التي غيّرت قوانين العمل، وشجعت التدريب المهني بهدف توظيف الشباب، وخففت الأعباء الضريبية على الشركات.
وحققت هذه السياسات بعض النتائج الإيجابية حتى عام 2023، إذ تراجعت البطالة، على سبيل المثال، من مستويات قاربت 10% إلى ما دون 7.
5%، وهو مستوى لم تعرفه فرنسا منذ عام 2008.
على أن الأرقام الأخيرة تعكس هشاشة هذا التحسن.
فمع أول تباطؤ حقيقي، عاد الاقتصاد الفرنسي إلى مشكلاته القديمة المتمثلة في بطالة مرتفعة ونمو ضعيف، وعجز عن خلق وظائف بوتيرة كافية.
ويرى الاقتصادي الفرنسي فيليب كروفل أن هذا المشهد لا يرتبط، بعد، بالسياق السياسي الدولي، ولا سيما أزمة مضيق هرمز، بل يكشف عن خلل أعمق في صلب النموذج الاقتصادي بالبلد.
يقول كروفل، في حديث إلى" العربي الجديد"، إن فرنسا" تعاني منذ نحو أربعين عاماً من بطالة بنيوية متجذّرة".
وهو يأخذ مثالاً عليها وضع الشباب داخل سوق العمل، حيث بلغت معدلات البطالة لدى من هم دون الخامسة والعشرين 21%، في واحدة من أعلى النسب بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى.
ويرى كروفل أن هذا المؤشر يعطي صورة واضحة عما يسمّيه" المفارقة الفرنسية": " بلد يمتلك واحداً من أكبر الاقتصادات في الاتحاد الأوروبي، لكنه يعجز عن دمج جزء واسع من شبابه داخل دورة العمل والإنتاج".
ويربط كروفل هذه الأزمة بـ" مشكلة المستوى"، أي الفجوة المتزايدة بين ما ينتجه النظام التعليمي الفرنسي وبين حاجات الاقتصاد الفعلية.
إذ أظهرت نتائج اختبارات" بيزا" الدولية، خلال السنوات الأخيرة، تراجعاً تدريجياً في مستوى إتقان الطلاب الفرنسيين المهارات الأساسية مقارنة بنظرائهم في عدد من الدول الصناعية.
ولا يقتصر هذا التراجع على أداء الطلاب في المدارس والجامعات، كما يقول، بل ينعكس أيضاً على سوق العمل، حيث يواجه الاقتصاد نقصاً متزايداً في الكفاءات التقنية والصناعية، في حين تستمر بالارتفاع أعداد الفرنسيين الذين لا يمتلكون المهارات المطلوبة.
معضلة لا تحلّها سياسات التوظيف وحدها، بل تستدعي إصلاحاً جذرياً في منظومة التعليم والتكوين المهني، وهو ما تجنّبت حكومات ماكرون المتعاقبة الخوض فيه بالعمق المطلوب.
ولعل من أبرز ما كشفت عنه هذه المرحلة هشاشة الرهان الذي عقده ماكرون على ما يُعرف في فرنسا بالتدريب المهني بالتناوب، الذي يجمع بين التعلُّم ودخول سوق العمل.
إذ ارتفع عدد المتدربين من نحو 300 ألف عند بداية ولايته الأولى، عام 2017، إلى قرابة مليون في ذروة البرنامج عام 2024، ليتحول الأمر إلى" إنجاز" يُحتفى به بين حين وآخر.
غير أن الحكومات المتعاقبة اضطرت خلال السنوات الثلاث الماضية إلى تقليص الدعم المخصص لهذا البرنامج، ليس فقط بسبب ضغوط الميزانية، بل لأن المستفيد الأكبر منه لم يكن، في أغلب الأحيان، الشباب الذين يصعب إدماجهم في سوق العمل.
فقد وجدت مراكز التدريب والتأهيل في الدعم الحكومي حافزاً لاستقطاب أصحاب المؤهلات العالية بدلاً من الفئات الأصعب تأهيلاً، التي كانت السياسة مصمّمة لمصلحتها، ما يعني، كما يذكّر كروفل، أن الدولة أنفقت المال العام على مَن كانوا أساساً في طريقهم للاندماج سريعاً في سوق العمل.
كما يشير الخبير الاقتصادي إلى أنه لا يمكن فهم التراجع الحالي في سوق العمل الفرنسية من دون العودة إلى النقاش اللانهائي في البلد حول" مدة العمل" وحجم المشاركة الفعلية في الاقتصاد، وهي قضية ينقسم حولها المجتمع والطبقة السياسية والنقابية منذ عقود.
ففي حين ترى الأوساط المحافظة والليبرالية أن فرنسا" لا تعمل بما يكفي" مقارنة بمنافسيها الاقتصاديين، تردّ أحزاب اليسار والنقابات بأن الفرنسيين يُعدّون من بين الأوروبيين الذين يسجلون معدلات مرتفعة نسبياً في ساعات العمل الأسبوعية.
غير أن كروفل يدعو إلى مقاربة المسألة من زاوية مختلفة، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بعدد ساعات العمل الفردية بقدر ما ترتبط بـ" حجم العمل" داخل المجتمع ككل.
يقول: " صحيح أن فرنسا ليست بعيدة كثيراً عن ألمانيا من حيث مدة العمل الفردي، لكن الفرق الحقيقي يظهر في معدّلات التوظيف.
ففي ألمانيا يزيد معدل التوظيف على 77%، في حين لا يزال في فرنسا دون الـ70%"، بحسب إحصاءات لـ" المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية" تعود إلى 2024.
ويضيف أن هذا الفارق يعني أن العمل يتركّز في فرنسا على شريحة أضيق من السكان، إذ يبقى عدد كبير من الشباب خارج سوق العمل لفترات طويلة، في حين يغادر كثير من كبار السن الحياة المهنية مبكراً، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج والنمو الاقتصادي.
ولا يفصل كروفل هذا التراجع عما يصفه بـ" تآكل القاعدة الصناعية الفرنسية" الذي تسارع خلال السنوات الأخيرة، مع إغلاق متواصل للشركات والمصانع.
ويرى أن المشكلة لا تكمن فقط في خسارة الوظائف الصناعية نفسها، بل في طبيعة الاقتصاد الذي حلّ مكانها.
فمع توسّع الحقل الخدمي، بات الاقتصاد الفرنسي ينتج ثروة أقل، مقارنة باقتصادات صناعية مثل ألمانيا.
ويوضح: " بسبب تراجع التصنيع في فرنسا، أصبحت القيمة المضافة للعمل أدنى مما كانت عليه.
ساعة العمل الواحدة باتت تعطي مردوداً أقل، وهو ما ينعكس أيضاً على إمكانية خلق وظائف جديدة".
وكان حاكم" بنك فرنسا"، فرنسوا فيلروا دو غالو، قد حاول التخفيف من وقع الأرقام التي كشف عنها المعهد، معتبراً، في مقابلة مع إذاعة" فرانس أنفو" الأربعاء الماضي، أن الاقتصاد الفرنسي يُظهر" قدرة على الصمود" رغم التباطؤ الحالي.
وربط هذا التباطؤ بـ" الأزمة في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة"، مذكّراً بأن فرنسا سبق أن واجهت أوضاعاً اقتصادية أكثر صعوبة، ولا سيما بعد عام 2012 حين تجاوزت معدلات البطالة 10%، قبل أن يتمكن الاقتصاد الفرنسي، بحسب قوله، من خلق" نحو أربعة ملايين وظيفة جديدة منذ عام 2010".
غير أن كروفل يرى أن هذا الخطاب المتفائل يعكس، بالدرجة الأولى، حرص المؤسسات الرسمية الفرنسية على تجنّب خلق مناخ من التشاؤم داخل الأسواق والرأي العام، لتجنّب تأثيره السلبي على الاستهلاك والاستثمار.
كما يلفت إلى أن الأرقام الحالية قد لا تعكس الحجم الكامل للتباطؤ المرتقب في سوق العمل والنمو الاقتصادي، باعتبار أن بيانات المعهد للربع الأول من هذا العام لم تشمل سوى شهر واحد متأثر بأزمة مضيق هرمز، ما يفتح الباب على مؤشرات أكثر قتامة خلال الأشهر المقبلة إذا ما استمر الوضع على حاله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك