تواجه دولة جنوب السودان أزمة اقتصادية بسبب تفشي المحسوبية وهشاشة النظام المالي والاقتصادي إضافة إلى الفساد وتراجع إنتاج النفط بسبب حرب السودان، ما شكل عقبة أمام دفع رواتب العاملين، فيما انهارت البنية التحتية وأصبحت البلاد تعتمد بصورة أساسية على المعونات الخارجية.
وتعتبر السوق السوداء للعملات المصدر الرئيسي للحصول على الدولار بسبب شح النقد الأجنبي في البنوك، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، وسط ارتفاع التضخم إلى أرقام قياسية بلغت 113% في وقت انهارت فيه العملة المحلية، حيث يعادل الدولار الواحد 6800 جنيه جنوب سوداني، فيما لا يتجاوز سعره في البنوك 4700 جنيه.
انعكس الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور على الأوضاع الإنسانية.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف من أن أزمة الجوع المتفاقمة في جنوب السودان تدفع 7.
8 ملايين شخص إلى مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، كما حذر تقييم جديد للأمن الغذائي من تدهور حالة الجوع في جنوب السودان، حيث يُتوقع أن يواجه ملايين الأشخاص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي خلال موسم العجاف من إبريل إلى يوليو.
ويقول أتيم سايمون، المحلل السياسي والاقتصادي لـ" العربي الجديد": إن بلاده تواجه أزمة اقتصادية وإنسانية حادة، وتشير تقارير أممية إلى أن ملايين المواطنين يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود مناطق مهددة بالمجاعة، خاصة في ولايات أعالي النيل وجونقلي والوحدة، نتيجة النزاعات والفيضانات وتدهور الاقتصاد.
وأضاف أيضاً: " تتحدث تقديرات منظمات دولية عن أن أكثر من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما ترتفع معدلات البطالة بصورة كبيرة خصوصاً وسط الشباب".
ويؤكد سايمون أن مستوى التضخم وصل خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات مرتفعة نتيجة انخفاض قيمة العملة وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، كما تشهد الأسواق حالة ركود نسبي بسبب ضعف القدرة الشرائية؛ حيث أصبحت قطاعات واسعة من السكان عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
وبحسب تقديرات اقتصادية ودولية، فإن متوسط دخل الفرد اليومي في جنوب السودان يبقى من بين الأدنى عالمياً، خاصة خارج القطاع النفطي والمنظمات الدولية، بينما يعتمد عدد كبير من السكان على الزراعة التقليدية أو المساعدات الإنسانية.
وفي مواجهة الأزمة، يقول سايمون: أعلنت الحكومة إجراءات تشمل محاولة لضبط سوق الصرف، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتنظيم تجارة الذهب، والسعي لجذب استثمارات أجنبية، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدولية لتوفير الغذاء والدعم الإنساني، غير أن هذه الإجراءات لا تزال محدودة التأثير في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية وضعف الإنتاج المحلي.
ويقول متعاملون في السوق إن الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يدفع كثيراً من التجار والأفراد إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على الدولار، خاصة لتمويل الواردات أو تحويل الأموال إلى الخارج، كما أن تقارير اقتصادية وإفادات متعاملين تشير إلى أن السوق الموازية أصبحت في كثير من الأحيان المرجع الحقيقي لتحديد أسعار السلع، لأن معظم الواردات يتم تسعيرها وفق سعر الدولار خارج القنوات الرسمية.
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن اقتصاد جنوب السودان دخل في حالة انكماش متواصل استمرت خمس سنوات متتالية بين 2021 و2025، من دون وجود مؤشرات على تعافٍ قريب، وقد بلغ معدل النمو الاقتصادي -7.
7% في عام 2025، ما يضع البلاد ضمن أسوأ الاقتصادات أداءً عالمياً.
تكشف الأرقام عن غياب شبه كامل لدور الدولة في مجال الخدمات الأساسية، حيث لا تتجاوز نسبة الوصول إلى الكهرباء 5%، فيما تقل نسبة الارتباط بالشبكة الوطنية عن 2%، كما يفتقر نحو 90% من السكان إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية، ويعاني ملايين المواطنين نقص المياه الآمنة.
وتبقى البنية التحتية للطرق محدودة وضعيفة، ما يعوق حركة الاقتصاد والخدمات.
وتُدار غالبية الخدمات الأساسية من قبل المنظمات الدولية، في مؤشر واضح على ضعف مؤسسات الدولة، في وقت يستمر فيه النمو السكاني في الضغط على الموارد المحدودة، أما على مستوى الحوكمة، فتُصنّف جنوب السودان ضمن أكثر الدول فساداً في العالم؛ حيث حصلت على 8 من 100 في مؤشر مدركات الفساد، محتلة المرتبة الأخيرة عالمياً.
ويبلغ الدين العام أكثر من 3.
7 مليارات دولار، متجاوزاً نصف الناتج المحلي، بينما يعاني الموظفون الحكوميون تأخر الرواتب لفترات تصل إلى 13 شهراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك