الدوحة – «القدس العربي»: هنا في الخليج العربي، وحين ينتصف الليل وتخفت ضوضاء النهار، تبدأ حكاية أخرى من حكايات رمضان.
طقس اجتماعي عابر للبيوت والفنادق، يختصر ذاكرة المكان ويعيد تشكيل العلاقات على مائدة تتوسطها الألفة.
إنّها «الغبقة»؛ موعد ليلي يقع بين الإفطار والسحور، يحمل في تفاصيله تاريخاً بحرياً عريقاً وروحاً مدنية معاصرة.
هذا التقليد الذي تعارف عليه أهل الخليج منذ بدايات القرن العشرين، ظلّ يتطور من لقاءات عائلية بسيطة إلى مناسبات كبرى تستقطب مؤسسات وشركات وهيئات عامة.
ورغم التحولات، بقيت الغبقة رمزاً للتماسك الاجتماعي، ومنصة للحوار وتبادل الودّ في أجواء يطغى عليها الطابع التراثي.
تُقام الغبقات عادة بين الحادية عشرة ليلاً والثانية صباحاً، توقيت يمنح المدعوين فسحة حضور بعد الإفطار وصلاة التراويح.
في البيوت القديمة كانت الدعوات تُوجّه شفهياً، ويُعدّ صاحب الدار طبقاً رئيسياً واحداً يجتمع حوله الضيوف.
اليوم، تتنوع القوائم وتتعدد الأطباق، غير أن روح اللقاء ما زالت هي البطل الحقيقي.
متحدثة لـ»القدس العربي»، مريم الهاجري، الباحثة القطرية في التراث الغذائي، ترى أن أصل المصطلح يعود إلى «الغبوق»، وهو تعبير عربي قديم يشير إلى الأكل المتأخر ليلاً.
وتقول: «الغبقة امتداد لذاكرة الصحراء والبحر معاً.
هي مساحة زمنية تتيح للناس استعادة توازنهم الروحي والاجتماعي خلال الشهر الفضيل».
وتضيف الهاجري أن طبق «المحمر» ظلّ لعقود محور المائدة في هذه المناسبة.
ويتكوّن من سمك الصافي المقلي إلى جانب أرز يُطهى بالسكر أو بدبس التمر، وهو مزيج يجمع بين حلاوة البرّ وملوحة البحر.
وتوضح: «هذا الطبق ارتبط بالمناطق الساحلية، حيث كان الغواصون يتناولونه لقدرته على منح طاقة من دون إثارة العطش في اليوم التالي».
في المناطق الداخلية، استُبدل السمك باللحم تماشياً مع طبيعة البيئة.
ومع ستينيات القرن الماضي بدأت أطباق جانبية تظهر على المائدة، متأثرة بانفتاح الخليج على مطابخ عربية أخرى.
ورغم ذلك بقي «المحمر» عنوان الغبقة، حاضراً في البيوت والفنادق على حدّ سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك