في رمضان لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن العجلة أيضا… أو هكذا نحاول.
تتبدل ساعات اليوم، ويصبح للجوع صوت واضح، وللقوت معنى مختلف.
وبينما ننتظر أذان المغرب، تخرج من الذاكرة أمثال قديمة كأنها كتبت لهذا الموسم.
ومن أجملها مثل مغربي يقول: “من تعمر الكرش تقول للراس غني”.
لا يقول المثل إن الطعام هو السعادة، ولا يجعل الإمتلاء غاية.
لكنه يلتقط لحظة إنسانية صادقة: عندما يهدأ الداخل، يهدأ الخارج.
وعندما يطمئن الجسد، يملك العقل فرصة ليكون أصفى، وأرحم، وأقرب إلى نفسه.
نحن نعرف الفرق، حتى لو لم نسمه.
هناك شبع يترك في القلب خفة: تأكل فتشعر أنك عدت إلى الحياة بهدوء، وأن مزاجك صار ألين، وأن الكلمات صارت أبطأ وألطف.
وهناك شبع آخر يغلق الأبواب: تأكل كثيرا فتخسر النشاط، ويثقل رأسك، وتتكاسل عينك عن القراءة، وتستثقل قدميك عن الصلاة.
المثل لا يمدح التخمة؛ بل يمدح تلك الكفاية التي تصلح مزاج الإنسان.
كأنه يقول: “أعط جسدك حقه… ليعطيك عقلك أجمل ما عنده”.
المعدة بيت اللقمة… ومقياس السكينة.
قد لا ننتبه، لكن بطوننا تحفظ أثر أيامنا.
القلق يترك فيها قبضته، والغضب يسرب إليها توتره، والإستعجال يجعلها ترفض ما نلقيه فيها بلا رحمة.
لذلك ليس غريبا أن يشعر الإنسان بعد طعام متوازن بشيء من السلام، وأن يشعر بعد طعام ثقيل بفوضى داخلية لا يفهم سببها.
في رمضان تتضح هذه الحقيقة أكثر: لقمة صغيرة بعد صيام طويل قد تبدو كأنها تصلح العالم من حولنا، لأن الجوع ليس ألما في المعدة فقط، بل ضغط على النفس أيضا.
وعندما يخف هذا الضغط، تتبدل نظرتنا للأشياء.
لحظة الإفطار: من القلب إلى الصحن.
كم مرة قلنا: “سآكل قليلا”، ثم وجدنا أنفسنا نأكل أكثر مما نحتاج؟ ليس لأننا جائعون فقط، بل لأننا متعبون.
وكأن الطعام يتحول إلى تعويض سريع عن يوم طويل، وعن إرهاق لا نعرف كيف نخففه.
لكن رمضان يعلمنا بلطف متكرر أن الطعام الذي يأتي بهدوء يمنح هدوءا.
وأن البداية الصحيحة أهم من الكمية: ماء، ثم لقمة تمهد الطريق، ثم صبر بسيط قبل أن نكمل.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تصنع صحة الجسد فقط، بل تصنع مزاجا قابلا للعبادة، ولسعة الصدر، ولحسن الإستماع للآخرين.
الأكل الواعي: الطمأنينة بدل العجلة.
الأكل الواعي ليس فكرة معقدة.
هو أن نبطئ قليلا.
أن نضع الهاتف بعيدا.
أن نسمع أجسادنا وهي تقول: “كفى” قبل أن نصم آذاننا عنها.
في رمضان يصبح هذا السلوك عبادة خفية: أن تحترم معدتك، وأن تترك مساحة للتنفس، وأن تختار ما ينفعك لا ما يغريك فقط.
ليست القضية قائمة طويلة من الممنوعات، بل علاقة جديدة مع الطعام: علاقة فيها رحمة، وفيها عقل، وفيها شكر.
التوتر على المائدة: اللقمة بقلق.
أحيانا نفطر ونحن نحمل يومنا كله فوق أكتافنا.
نأكل والغضب يسبقنا، أو الهم يرافقنا، أو أخبار العالم تتكدس في رؤوسنا.
هنا يصبح الطعام ثقيلا حتى لو كان بسيطا.
ولذلك، ربما كان أجمل ما نفعله قبل الإفطار هو أن نخفف حملنا: دعاء قصير، نفس عميق، كلمة طيبة، صمت لطيف.
لأن الجسد لا يطلب الطعام وحده؛ يطلب الأمان أيضا.
وإذا شعر بالأمان، صار الهضم أسهل، وصار النوم أطيب، وصارت الروح أخف.
ميزان الجوع والشبع: طريق السكينة.
في النهاية، المثل المغربي ليس جملة عابرة.
إنه تذكير رقيق بأن الإنسان لا يبدع وهو منهك، ولا يصفو وهو مضطرب، ولا يشرق وهو مثقل.
رمضان فرصة لنفهم هذه العلاقة من جديد: أن الإعتدال ليس حرمانا، بل نجاة.
وأن الطعام ليس عدوا، بل رسالة.
وأن أجمل امتلاء هو الذي يترك فينا مساحة للقيام، وللذكر، وللبسمة، وللحديث الهادئ بعد الإفطار.
فإذا “عمرت الكرش” بالخير والإعتدال… قالت للراس: الآن كن غنيا… بالطمأنينة، وبالصفاء، وبالرحمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك