إيلاف من لندن: في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في علاقة السياسة بالإعلام، شهدت المملكة المتحدة خطوة غير مسبوقة تمثّلت في عقد أول مؤتمر صحفي حكومي مخصص بالكامل لصنّاع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، برعاية رئيس الوزراء كير ستارمر.
الحدث لم يكن مجرد فعالية إعلامية عابرة، بل رسالة واضحة بأن المشهد الاتصالي تغيّر، وأن المنصات الرقمية لم تعد هامشًا على الصحافة التقليدية، بل أصبحت ساحة مركزية لتشكيل الرأي العام.
فالحكومة البريطانية، التي لطالما خاطبت الجمهور عبر الصحف والقنوات التلفزيونية الكبرى، اختارت هذه المرة أن تفتح أبوابها أمام جيل جديد من صناع السرد: اليوتيوبرز، وصناع البودكاست، ومؤثري" إنستغرام" و" تيك توك".
اعتراف رسمي بقوة التأثير الرقمي.
يمثل هذا المؤتمر اعترافًا صريحًا بأن التأثير لم يعد حكرًا على المؤسسات الإعلامية العريقة.
فالمؤثر الذي يمتلك ملايين المتابعين قد يصل برسالته إلى فئات شبابية يصعب على الخطاب السياسي التقليدي بلوغها.
ومن خلال منحهم منصة لطرح الأسئلة مباشرة على رئيس الوزراء، تحاول الحكومة إعادة صياغة لغة التواصل، وجعلها أكثر قربًا ومرونة.
هذه الخطوة تعكس كذلك إدراكًا سياسيًا بأن الثقة في الإعلام التقليدي تراجعت لدى بعض الشرائح، بينما تنمو ثقة الجمهور في الوجوه الرقمية التي يتابعها يوميًا.
وهنا يصبح الحوار المباشر مع صناع المحتوى وسيلة لإعادة بناء الجسور مع الرأي العام، خاصة بين الشباب.
كير ستارمر، الذي يسعى إلى تقديم صورة حكومة منفتحة وحديثة، بدا وكأنه يراهن على “سياسة بلغة العصر”.
فبدل الخطابات الرسمية المطوّلة، جاءت الأسئلة سريعة، مباشرة، وأحيانًا حادة، تعكس طبيعة النقاشات المتداولة على الإنترنت.
غير أن هذه المبادرة تثير تساؤلات أيضًا: هل يعني ذلك تراجع دور الصحافة التقليدية؟ أم أنه تكامل بين نمطين مختلفين من الإعلام؟ وهل يملك جميع صناع المحتوى المعايير المهنية ذاتها في طرح الأسئلة والتدقيق؟ما حدث في لندن قد يشكّل سابقة قد تحتذي بها حكومات أخرى، في أوروبا وخارجها.
فالعالم يتغير، والسياسة بدورها مضطرة إلى مواكبة هذا التغيير.
لكن نجاح هذه التجربة سيعتمد على مدى قدرتها على تحقيق توازن بين الانفتاح الرقمي والحفاظ على المعايير المهنية والشفافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك