تتسع العيون دهشة حين نقرأ سيرتها، ولمّا نغمضها قليلاً نرى الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي وهو يمضي في ريعان شبابه متثاقلاً بما في رأسه من معرفة، كان يظن وقتها أنها منتهى ما يقصد، لكن ما إن يجلس إليها حتى يدرك أنه لا يزال يسبح مجتهداً مجهداً عند شاطئ بحر المعرفة الذي لا حد له.
هل امرأة هي من جذبت ابن عربي عميقاً إلى ما جاد به علينا في ما بعد من كتب لم تبح بعد بكل أسرارها؟جلب عرفان الإجابة من جوف التاريخ البعيد، وقال:
نعم، هي فاطمة بنت المثنى القرطبية، من علّمت ابن عربي علم الحروف، وهو عنده «علم الأولياء»، وهي المرأة التي وصلت إلى مرتبة عالية في العلم والورع، فقال الشيخ الأكبر عنها: «لم أرَ في الرجال والنساء أشد ورعاً ولا اجتهاداً منها.
ما ذكرت لها مقاماً إلا كان المقام لها حالاً.
ذات شوق وكشوف».
ثم زاد في مدحها حتى بلغ أقصاه فرآها: «رحمة لهذا العالم.
من العابدات السائحات الزاهدات، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت.
شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء.
علمها عملها.
عليها مسحة ملك، وهمة ملك».
كان ابن عربي في العشرين من عمره، حين وصل بابها في أشبيلية، فظل يتردّد عليها، بلا انقطاع، عامين كاملين، حتى شرب منها الكثير، مثل غيره من التلاميذ، لكن كان له عندها مكانة لم يطاولها أنداده، وهنا يقول في كتابه «الفتوحات المكية»: «خدمت بنفسي امرأة من المحبات العارفات بأشبيلية يُقال لها فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي، خدمتها سنتين وهي تزيد في وقت خدمتي إياها على خمس وتسعين سنة، وكنت أستحي أن أنظر إلى وجهها وهي في هذه السن من حمرة خديها، وحسن نعمتها وجمالها، تحسبها بنت أربع عشرة سنة، وكان لها حال مع الله، وكانت تؤثرني على كل من يخدمها من أمثالي، وتقول ما رأيت مثل فلان إذا دخل علي دخل بكله لا يترك منه خارجاً عني شيئاً، وإذا خرج من عندي خرج بكله لا يترك عندي منه شيئاً».
صمت عرفان برهة، ثم ساءل نفسه: كيف لا يكون هذا وهي من كانت حين يخاطبها «يا أمي» ترد عليه: «أنا أمك الإلهية، وأمك الترابية»، فإن رأت من أنجبته وقت مجيئها لزيارتها، قالت لها: «يا نور، هذا ولدي، وهو أبوك، فبريه، ولا تعقيه».
هل تعرف شيئاً عن حياتها؟ سأل سرحان.
وُلدت فاطمة في إحدى ضواحي قرطبة لأسرة رقيقة الحال، وعملت بحياكة الملابس لتلقط قوتها الشحيح، فلمّا أصابها مرض وعجز في سن متقدمة، اكتفت بجمع طعامها مما ينبذه الناس ملقين إياه عند الجدران والأبواب، وعند خُصها الذي بناه لها ابن عربي من القصب على قدر قامتها، فإن لم تجد شيئاً من بقايا الناس، وضاق رزقها، واشتد بها الجوع، لم تكن تحزن ولا تحنق ولا تغضب، إنما يتملكها سرور، وتشكر الله على نعمته، لأنه وضعها في موضع أنبيائه وأوليائه في شظف العيش، وتقول: يا رب، بماذا استوجبت عندك هذه المنزلة العظمى، حيث عاملتني بما تعامل به أحباءك.
وينقل عنها ابن عربي قولها أيضاً في فرحها بحالها هذه، حتى إنها كانت تضرب بالدف جائعة: «والله، إني أفرح، حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطفاني لنفسه، من أنا حتى يختارني على أبناء جنسي، وعزة ربي، إنه يغار علي غيرة ما أصعبها، ما التفتّ إلى شيء باعتمادي عليه عن عالة إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه».
ليس هذا فحسب، بل كانت القرطبية تتعجّب ممن يشكون إلى الله ضيق معاشهم، وتركبهم الهموم لمرض أو فاقة، فتقول: «عجبت لمن يقول: إنه يحب الله ولا يفرح به، وهو مشهود، عينه إليه ناظرة في كل عين، ولا يغيب عنه طرفة عين، فهؤلاء البكاؤون كيف يدّعون محبته ويبكون، أما يستحون؟ إذا كان قربه مضاعفاً من قرب المتقرّبين إليه، والمحب أعظم الناس قرباً إليه فهو مشهوده، فعلى من يبكي؟ ! إن هذه لأعجوبة».
لم يكن الجوع هو محنة القرطبية الأشد والأنكى، التي طالها بعد عجزها عن العمل، إنما هذه التي داهمتها في ريعان شبابها، حين أُصيب زوجها بالجذام ولم يكن قد مر على زواجهما سوى سنوات قليلة، فظلت متفانية في خدمته خمساً وعشرين سنة، تجهز له طعامه وشرابه ودواءه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولم يترك الدنيا إلا وقد أصابتها منه عدوى، لكن لم يكن لديها من يقوم على خدمتها.
نعم، فابن عربي يرى أنها كانت صاحبة كرامات أهداها إليها التمعن في «فاتحة الكتاب» التي كانت تقول عنها «أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب تخدمني».
ويراها ابن عربي سرها الأعظم، فيقول: «كانت قد فتح لها في فاتحة الكتاب، ووجهتها في أي شأن فينقضي ولا بد.
جرّبنا ذلك عليها مراراً».
ويستشهد ابن عربي على ذلك، قائلاً: «فبينما نحن قعود إذ دخلت امرأة، فقالت لي: يا أخي، إن زوجي في شريش وأريده، فماذا ترى؟ قلت لها: وتريدين أن يصل؟ قالت: نعم.
فرددت وجهي إلى العجوز (القرطبية)، وقلت لها: يا أم، ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة؟ قالت: وما تريد يا ولدي؟ قلت: قضاء حاجتها في هذا الوقت.
فقالت: السمع والطاعة، إني أبعث إليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجيء به.
وأنشأت فاتحة الكتاب تقرأها وقرأت معها، فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة، وذلك أنها تنشيها بقراءتها صورة مُجسّدة هوائية، هي سر من أسرار عطايا القرآن، فلما أنشأتْها صورة سمعتُها تقول لها: يا فاتحة الكتاب، أطلب كذا.
فلم يلبث حتى وصل إلى أهله».
ويذكر ابن عربي كرامة أخرى لها، فيقول عنها: «كانت ذات ليلة، فرغ الزيت الذي كانت توقد به السراج، وطفئ السراج ولم يكن ينطفئ لها سراج قط، وما عرفت قط سر ذلك منها، فقامت لتفتح باب الخُص لتطلب مني أن أجيء لها بزيت، فغرقت يدها في مائع في الدف الذي كان تحتها، فشمته فإذا به زيت فأخذت الكوز وملأته بالزيت، فلمّا امتلأ الكوز، أسرجت الفتيلة، وجاءت تنظر موضع الزيت، فلم ترَ له أثراً رأساً، فعلمت أن ذلك رزق آتاه الله».
وهناك واقعة ثالثة تدل على كرامة «القرطبية» بقدر ما تبين تسامحها، فحين ضربها أحدهم لم يطلع عليه نهار اليوم التالي إلا وكان قد وجد من يصفعه، ولولا صفحها عنه لكان مصيره القتل، إذ يروي ابن عربي عنها أن أبا عامر المؤذن قد ضربها بالدرة في الجامع ليلة العيد، فلم تسبّه ولم تعترض، بل نظرت إليه، وانصرفت متغيرة النفس عليه فباتت تلك الليلة، فلمّا كان السحر سمعت ذلك المؤذن يؤذن، فقالت رب لا تؤاخذني، تغيّرت نفسي على رجل يذكرك في دياجي الليل والناس نيام.
هذا ذكر حبيبي يجرى على لسانه، اللهم لا تؤاخذه بتغيري عليه، فلمّا أصبح دخل فقهاء البلد بعد صلاة العيد على السلطان ليسلموا عليه، فدخل ذلك المؤذن في جملتهم، رغبة في الدنيا، فسأل السلطان: من يكون هذا؟ قيل له مؤذن الجامع، فقال: ومن أمره بالدخول مع الفقهاء، أخرجوه، فصُفع، وأُخرج، فشُفّع فيه عند السلطان فخلّى سبيله بعدما أراد أن يعاقبه، فقيل لها: اتفق لفلان مع السلطان كذا وكذا، فقالت: علمت، ولولا أني سألت التخفيف عنه لقُتل».
كان سرحان يهز رأسه وهو ينصت إلى ما يقوله عرفان، فلما صمت الأخير سأله الأول:
نعم، فقد بلغ صيت القرطبية كل أرجاء الأندلس، فجاءها طلاب العلم والزهد من كل مكان، ينصتون إليها، ويتعلمون منها، ويراقبون حالها، ويذكرون فضلها ومآسرها.
بل إن منزلتها وصلت إلى مسامع طائفة من مؤمني الجن، حسبما يقول ابن عربي، فيجلسون إليها، ويرغبون في صحبتها، لكنها كانت تأبى عليهم هذا، وتسألهم أن يحتجبوا عنها، وتذكر ما ذكره رسول الله، ليلة قبضه على الجني، وتقول هنا: «تذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته».
ما وجه تأثير القرطبية على الشيخ الأكبر؟غيرت القرطبية نظرة ابن عربي إلى المرأة، وكان من قبل يحسب أن النساء لا يبلغن مرتبة الولاية، أما بعد لقائها، والتعلم منها، راح يقول: «تصبح المرأة في ما لو أصبحت قطباً خليفة هي صاحبة الوقت وسيدة الزمان، خليفة الله في أرضه، ونائبة سيد المرسلين في أمته، وارثة للاصطفاء والاجتباء والخصوصية الآدمية»، ثم يجمل ويعمّم قائلاً: «من عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن، بل من كمال العارف حبهن، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي».
ويبلغ به الوجد والإحكام مبلغه، فينتهي: «كل مكان لا يؤنث، لا يعول عليه».
كانت القرطبية على مشارف المائة حين جاءها الموت، فسكتت أنفاسها في هدوء، تاركة خلفها إرثاً من المعرفة الصوفية غير المكتوبة، تزينها أحوالها من الزهد والتقشّف والعبادة، رصدها تلاميذها، فكتبوا عنها، وأبقوا اسمها حياً بين أهل العلم والولاية، وكان أبرزهم محيي الدين ابن عربي، الذي قام حيالها بما قام به أفلاطون حيال أستاذه سقراط.
فابن عربي، ورغم أنه لم ينزل عندها سوى سنتين، ورحل عن الأندلس كلها سائحاً في الشرق، حيث مكة ودمشق وقونية، فإنه قد حمل معه أنوار القرطبية الروحية إلى سائر البلاد، ما يعبر عنه ماهر الشيال، قائلاً عن ابن عربي: «قضى وهو في دمشق عند سفح قاسيون شيخاً هرماً في السادسة والسبعين، وما زالت فاتحة فاطمة الأثيرية تحوطه، وترد له شيئاً من عبقها النائم عند حدود قرطبة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك