إنّ بناء الأمم لا يقوم إلا على أركان القيم؛ وإنّ أعظم ما يورثه الآباء للأبناء ليس مالا يفنى، بل أدبا يقتنى، وخلقا يبقى، وتعليم الناشئة آداب التعامل مع ذوي القربى هو مفتاح الهوية، وعروة الوصل الوثقى التي تحمي جيلنا من تيه الضياع في زمن الفردية والافتراض.
العائلة هي الرّحم التي اشتقّ لها اسم من اسم الرحمن، وجعل وصلها منوطا برضاه؛ لذا فإن غرس قيم الترابط العائلي في سويداء قلوب الأبناء هو بذر بذور الوفاء؛ ليعلموا أنّ العزّ في الجماعة، وأنّ المرء قليل بنفسه، كثير بأهله؛ فمن شبّ على توقير كباره، وشاب على وصل أرحامه، نال خيري الدنيا والآخرة، واستجلب البركة في الرزق والأثر.
وإذا ما أهلّ هلال شهر رمضان، تعيّن على القلوب أن تصفو، وعلى الأقدام أن تسعى في دروب الصّلة.
إنّ زيارة الأهل في هذه المناسبات ليستْ مجرد “واجب اجتماعي”، بل هي تعبد وقربة.
علّموا صغاركم أنّ اليد التي تمتدّ بالهديّة أو طعام الإفطار هي يد تغرس المودة؛ فالهديّة لغة حبّ صامتة تذهب وحر الصدور، وتعلّم الجيل معنى العطاء والمشاركة لا الأخذ والاستئثار.
علموهم أن للمجالس هيبة لا يدرك كنهها إلا ذوو المروءة، وأن عليهم أن يتزينوا بآداب الحضور التي تضفي عليهم جلالا وبهاء.
علموهم أن يبادروا الكبار بسلام طلق، ومحيّى مستبشر، وليكنْ كلامهم موزونا بميزان الوقار، بعيدًا عن الصّخب أو الخفّة.
علّموهم أنّ في الجلسة عنوانا للتربية؛ فلا تمدّد ولا انكفاء، وأن اختيار الموضع الذي يرتضيه صاحب البيت لا الذي يشتهونه هم هو قمة الأخلاق.
علموهم أن الاستماع للحديث هو نصف الأدب، والردّ ببراعة هو نصفه الآخر.
علّموهم أن يفتحوا قلوبهم قبل آذانهم لمن يتحدّث، وأن يكون ردّهم ممزوجًا بالحكمة والتبجيل.
أرشدوهم إلى أن أشدّ ما يعيب الصغار في مجلس الكبار هو الانشغال بالهواتف، وأنّ الإقبال بالوجه على المتحدّث زكاة المجلس، وشيمة النّبلاء.
واحذروا أن يقع الأبناء في بئر التهامس، فمن تناجى دون جليسه فقد جفاه، ومن انتقص من هيبة المجمع بحديث جانبيّ فقد أضاع بوصلة الأدب.
إنّنا حين نرسي هذه القواعد في نفوس أبنائنا، فإنّنا نصوغ “دستورا أخلاقيا” لا تبيده الأيام.
إنّ الحفاظ على العادات والتقاليد الأصيلة هو حائط الصدّ الأخير في وجه الاغتراب الثقافي الراهن؛ ليبقى مجتمعنا كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضا، وينعم بظلال الرحمة والأجر والثواب من الله لاسيما في شهره الفضيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك