أعلنت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن، مساء أمس، إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في 24 مارس/آذار القادم، بعد أن كان الموعد الدستوري النهائي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، مستفيدة من زخم شعبي اكتسبته خلال الأزمة مع واشنطن بشأن غرينلاند، إذ تأتي هذه الخطوة في ظل توترات دبلوماسية غير مسبوقة مع الولايات المتحدة، حيث سعت كوبنهاغن لردع ما اعتُبر محاولات للتأثير على سيادة الجزيرة، وهو ما عزز مكانة فريدركسن داخلياً لأيام قليلة، رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية المستمرة.
تصاعد دعم اليسار وسط تباطؤ الائتلاف الحاكم.
تشير استطلاعات حديثة أجراها معهدَا" إيبنيون" و" ميغافون" لصالح التلفزيونين" دي آر" و" تي في2"، بعد الإعلان عن موعد الانتخابات، إلى أن كتلة اليسار ويسار الوسط بقيادة الاجتماعي الديمقراطي تقترب من الأغلبية في البرلمان المكون من 179 مقعداً، إذ من المتوقع أن تحصل الكتلة على نحو 87-88 مقعداً، أي على بعد مقعدين فقط من الأغلبية المطلوبة (90) لتشكيل حكومة مستقلة دون حاجة لتحالفات واسعة.
وقد تعززت شعبية فريدركسن بعد مواجهة واشنطن حول غرينلاند، ما رفع دعم حزبها الديمقراطي في استطلاعات الرأي إلى حوالي 22-23%، مقارنةً بما كان عليه في نهاية 2025، بعد خسارته في الانتخابات البلدية وفقدانه عمدة كوبنهاغن لأول مرة منذ 87 عاماً قبلها.
وقالت فريدركسن مساء أمس إنها لا تريد حسم شكل الائتلاف الحكومي المقبل مسبقاً، مؤكدة أنها منفتحة سواء على إعادة تشكيل حكومة وسط، أو إقامة حكومة" حمراء" تضم أحزاب يسار الوسط واليسار.
وبحسب أحدث قياس للرأي نشره تلفزيون DR اليوم الجمعة، فإن سيناريو الحكومة الحمراء يبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى.
فالأحزاب المصنفة ضمن المعسكر الأحمر ـــ الحزب الاجتماعي الديمقراطي، والشعب الاشتراكي، واللائحة الموحدة، والبديل، واليسار الراديكالي ـــ تقترب مجتمعة من حصد الأغلبية البرلمانية.
غير أن هذا التقدم لا يُعزى إلى تحسن أداء الحزب الاجتماعي الديمقراطي نفسه، إذ تراجع من 21.
6% في استطلاع يناير/ كانون الثاني إلى 20.
8% حالياً، ما يعادل 37 مقعداً، مقارنة بـ50 مقعداً حصل عليها في انتخابات 2022.
في المقابل، يسجل كل من حزب الشعب الاشتراكي والقائمة الموحدة وحزب البديل مكاسب ملحوظة، ما يعزز فرص تشكل أغلبية يسارية إذا استمرت الاتجاهات الحالية حتى يوم الاقتراع.
أهم القضايا التي تلامس الناخبين.
الأمن والسيادة: تصدّر ملف السيادة والدفاع المشهد بعد أزمة غرينلاند، مع تأكيد فريدركسن على" الاعتماد على الذات" أمنياً، مقابل ضرورة الموازنة بين زيادة الإنفاق العسكري وحماية دولة الرفاه.
تكاليف المعيشة والرفاه: ارتفاع الأسعار وضغط الخدمات العامة يشكلان هاجساً رئيسياً.
وتقترح الحكومة تمويل التعليم والرعاية عبر ضريبة على الثروة، فيما يحذر خصومها من تأثيرات سلبية على الاستثمار.
الهجرة والاندماج: اليمين يدفع نحو تشديد القيود وضبط الحدود، بينما يطالب اليسار بسياسات أكثر إنسانية مع تركيز أكبر على الاندماج.
الاقتصاد والنمو: جدل بين خفض الضرائب لتحفيز الشركات، أو الإبقاء على نموذج الرفاه القوي ولو عبر ضرائب أعلى على الثروات.
البيئة: التحول الأخضر حاضر بقوة، بين الدعوة لتسريع الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات، والسعي لتجنب كلفة اقتصادية مرتفعة على الأسر والشركات.
يشكّل اقتراع 24 مارس/آذار محطة مفصلية لقدرة رئيسة الحكومة فريدركسن على تحويل مكاسبها الدبلوماسية الأخيرة إلى رصيد داخلي ثابت، في ظل ضغوط اقتصادية وتبدّل أولويات الناخبين.
فالانتخابات قد تعيد رسم موازين القوى داخل البرلمان، وتعزز حضور الأحزاب الصغيرة، وتعيد صياغة العلاقة التقليدية بين اليمين واليسار في سياق أوروبي يتجه أكثر نحو اعتبارات الأمن والسيادة.
كما تمثل اختباراً لاستمرار صيغة الحكم التي تقودها فريدركسن منذ 2019 عبر ائتلاف مع حزب فينسترا الليبرالي بقيادة وزير الدفاع بولسن وحزب المعتدلين بزعامة وزير الخارجية لارس لوكا راسموسن، في وقت تشير فيه المؤشرات إلى احتمال تغيّر التوازنات مع اقتراب يوم الاقتراع.
وفي معسكر يمين الوسط، يبرز جدل حول إشراك حزب الشعب الدنماركي اليميني الشعبوي في أي ائتلاف حكومي محتمل ليمين الوسط والمحافظين برئاسة وزير الدفاع ترويلز لوند بولسن.
وبينما لا تمانع بعض قوى اليمين هذا الخيار، ترفض أحزاب وسطية التعاون مع الحزب، إذ وصفه وزير الخارجية الأسبق وزعيم راديكال فينسترا مارتن ليدغورد بأنه" حزب ترامبي" لا ينبغي أن يكون جزءاً من حكم الدنمارك.
نظرة إلى النظام الانتخابي الدنماركي.
يُنتخب أعضاء البرلمان، فولكتينغ (أي مجلس الشعب)، البالغ عدد أعضائه 179 عضواً، عبر نظام التمثيل النسبي الذي يسمح بتمثيل واسع للأحزاب الصغيرة، إذ يكفي حزب أن يحصل على 2% فقط من الأصوات الوطنية لعبور عتبة الدخول البرلماني.
يُنتخب 175 نائباً من داخل الدنمارك، بينما يُخصّص مقعدان لكل من غرينلاند وجزر فارو، ما يضيف بعداً جغرافياً وتمثيلياً مميزاً للبرلمان.
لا تُنتخب رئاسة الحكومة مباشرة من الشعب، إنما يتم تكليف زعيم الكتلة القادرة على حشد أغلبية المقاعد (90 صوتاً) بتشكيل الحكومة، ما يدفع إلى مفاوضات وتحالفات متعددة بعد الإعلان عن النتائج النهائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك