ساهمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية في إعادة توجيه التمثلات الاجتماعية بزيادة الطلب على التربية والتوجيه من جهة، ومكن تطور الأبحاث السيكولوجية والسوسيولوجية من إحداث تغيير في النظريات المرتبطة بالتوجيه، من حيث الموضوع، من جهة أخرى، حيث تم الانتقال من نموذج ميكانيكي تمركز على تصنيف المتعلّمين تبعا لاستعداداتهم (التي يتم تقويمها بالأداء المدرسي)، إلى نموذج “تربوي” أفرد مكانة خاصة للفكرة القائلة بقابلية الفرد للتربية من أجل بناء مسار مدرسي ومهني خاص.
في هذا الإطار برز المشروع كمفهوم حديث وسمة مميزة للحياة المعاصرة، ولم تمنع بدايته في القطاع الصناعي من انتقاله إلى مختلف ميادين الحياة الفردية والجماعية، كما ان المجال التربوي المغربي لم يبقى في منأى عن هذه التطورات، فمنذ بداية القرن الجاري عرفت النصوص المنظمة لهذا القطاع حضورا قويا لمفهوم المشروع من خلال مفاهيم أساسية كمشروع المؤسسة وبيداغوجيا المشروع، والمشروع التربوي، والمشروع الشخصي إلى غير ذلك، حيث أصبح مفهوم المشروع لا سيما المشروع الشخصي يحتل مكانة مركزية في السياسة والتفكير التربويين، وأُريد له أن يحتل ذات المكانة في الممارسات التربوية بمستوياتها الابتدائي والثانوي والجامعي، وأضحت مساعدة وتمكين كل متعلم من بناء مشروع شخصي معيارا مركزيا يحدد بموجبه مدى نجاعة عمل المؤسسة المدرسية في القيام بمهامها التربوية، لذلك تجد المدرسة نفسها أمام ضرورة تعبئة شركائها وكافة الفاعلين التربويين للمساهمة الفعالة من أجل مساعدة المتعلم على بناء مشروع شخصي يستطيع من خلاله بناء شخصيته وهويته وكذلك الملاءمة مع الحاجيات الاقتصادية والمهنية للمجتمع.
وبالمغرب عملت الوزارة الوصية على القطاع بتضمين هذا الموضوع في وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين في الدعامة السادسة على البعد التربوي في التوجيه باعتباره جزء لا يتجزأ من سيرورة التربية والتكوين، كما دعت إلى ضرورة “مساعدة من يرغبون في ذلك على بلورة اختياراتهم في التوجيه ومشاريعهم الشخصية، وجاء في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بالرافعة الخامسة ضرورة “الاعتماد المبكر على التوجيه لمصاحبة المتعلم في بلورة مشروعه الشخصي من السلك الابتدائي إلى غاية التعليم العالي، وتعزيز التربية على الاختيار تأسيسا على استعدادات المتعلمين وميولهم وقدراتهم.
ونجد بالقرار الوزاري 19-062 أن التوجيه المدرسي والمهني والجامعي هو المساعدة على التوجيه.
كما أن النظام التربوي المغربي لا يخرج عن إطار التعريف السابق للمشروع الشخصي للمتعلم، فيحدده كـ”سيرورة ذاتية وداخلية للمتعلم، ذهنية ووجدانية ونفسية واجتماعية، مع إسقاطات مستقبلية لمساره الدراسي والمهني”.
ما يستفاد منه أن المشروع الشخصي للمتعلم وفقا لهذا المنظور يركز على أهمية المسؤولية الشخصية لهذا الأخير على مساره الدراسي وفي مواجهة التحديات والإكراهات الخارجية التي قد يفرضها المحيط، أي أن المتعلم لم يعد مجرد متلقي، وإنما أضحى كباقي المتدخلين فاعلا ومبدعا ومخرجا لمشروعه الشخصي ومسؤولا عنه في ظل عالم سمته الأساسية التحول واللايقين، وقد يعني ذلك مما يعنيه أن هناك نقلا للإكراهات الخاصة بالأجهزة التنظيمية والمؤسساتية إلى مستوى ضيق ضمن المجال الخاص للمتعلم الذي ينبغي تحمل كل المسؤولية بهذا الشأن.
رغم التأطير والتنظير والاهتمام من طرف مسؤولي القطاع، هل يستطيع االمتعلم المغربي اليوم بناء مشروعه الشخصي إذا ما استحضرنا نظرته السلبية حول ذاته، و عسر حياته الأسرية أو الاجتماعية أو المدرسية؟إن تطبيق التوجيهات الخاصة بمشروع المتعلم داخل المدرسة والفصل الدراسي يعرف مجموعة من الاختلالات التدبيرية وبعض السلوكات الاتربوية تحصر المتعلمين في خانة المتعثرين دراسيا متجاهلة وجودهم كشباب خارجها، تكون قد زجت بهم في وضعيات يواجهون فيها صعوبات في بناء تمثلات متنوعة وغير مفهومة حول ذواتهم تساهم بالأساس في هدم هذا الصرح قبل بناء قاعدته وأسسه، في الوقت الذي يعرف القطاع ارتباكا ما بين تطبيق التوجيهات والتوجهات الكبرى للمدرسة المغربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك