فى المشهد الافتتاحى بالحلقة الأولى من مسلسل «رأس الأفعى» يقف ضابط الأمن الوطنى (أمير كرارة)، بعد أن داهم أحد أوكار الجماعة، أمام صورة القيادى محمود عزت على سطح أحد أجهزة الكمبيوتر التى تم ضبطها فى الهجوم، وكأنه يسترجع بداية التاريخ الأسود لذلك الملقب بـ«رأس الأفعى».
يستخدم مخرج الحلقات محمد بكير أسلوب «فلاش باك» فى مشهد بالأبيض والأسود يتعرَّف فيه الشيخ سيد قطب، مفتى الجماعة ومُنظرها الأعظم، فى ستينات القرن الماضى، على الشاب محمود عزت، طالب كلية الطب فى ذلك الوقت، الذى أتى له بالتكليفات الجديدة لإثارة الفوضى فى البلاد، والمتمثلة فى اغتيال كبيرهم (يقصد الرئيس عبدالناصر) وتخريب المنشآت الحيوية فى مصر، فيُثمِّن «قطب» هذه الاقتراحات ويضيف إليها تفجير قناطر محمد على (القناطر الخيرية) حتى تغرق البلاد وتنشغل الدولة عنهم وعن أعمالهم الإرهابية، والهدف الأسمى -بطبيعة الحال- هو قلب نظام الحكم، وهى القضية التى تم بمقتضاها تنفيذ حكم الإعدام فى «قطب» فى أغسطس 1966، وحُكم على محمود عزت بالسجن لمدة عشر سنوات قبل أن يخرج من سجنه عام 1974.
هكذا أراد هانى سرحان، مؤلف حلقات «رأس الأفعى»، تأصيل بداية انضمام محمود عزت إلى الجماعة وانخراطه فى نشاطها الإرهابى ضد الدولة، ورغم أن الشخصيات واضحة فى هذا المشهد بأسمائها وأعمارها، ومن ثم يمكن لمن يعرف التاريخ الأسود للجماعة التحديد الدقيق للفترة الزمنية التى يقصدها المشهد فإن أحد أبواقها الإعلامية راح يصيح من حيث يبث برنامجه الفضائى ساخراً ومُتندِّراً بجهل صُناع المسلسل، متهماً إياهم بعدم منطقية مشاركة «عزت» فى محاولة اغتيال الرئيس عبدالناصر سنة 1954 فى حادث المنشية الشهير وقت أن كان «عزت» فى العاشرة من عمره، وطبعاً وجد ذلك المدَّعى فى هذا الوهم ضالته فى التهكم على المسلسل وعلى صُناعه وعلى الإعلام المصرى، بل وعلى الدولة بأسرها، وهنا أجد نفسى، بعيداً عن فنيات المسلسل، مضطراً لتفنيد جهل هذا الرجل أو على الأقل تعمُّده تزييف حقائق تاريخية لا تقبل التأويل:
أولاً: لم يأتِ المشهد المذكور لا من قريب أو من بعيد على أى شىء يشير إلى تاريخ بعينه، وليس معنى اقتراح اغتيال كبيرهم أنهم يقصدون حادث المنشية سنة 1954، لأن محاولات اغتيال زعماء مصر أو على الأقل التفكير فيها كانت متعددة ودائمة فى تاريخهم الأسود، والكلام فى هذا المشهد كان عن فكرة اغتيال عبدالناصر سنة 1965 وليست المحاولة الشهيرة فى حادث المنشية سنة 1954.
ثانياً: صحيح أنه حُكم على سيد قطب فى قضية حادث المنشية، لكنه لم يكن حتى ذلك الوقت ضمن المخططين أو المحرضين من قادة الصف الأول بتنظيم الجماعة، بعكس دوره البارز والرئيسى فى الفتوى والتحريض والتخطيط الذى اضطلع به فى قضية محاولة قلب نظام الحكم سنة 1965، سواء من خلال كتابه الشهير «معالم فى الطريق» سنة 1964، أو عن طريق الاتصال المباشر بشباب الجماعة بواسطة على عشماوى وعبدالفتاح إسماعيل تحديداً.
ثالثاً: من يعرف جيداً تاريخ محمود عزت، المولود فعلاً سنة 1944، يعلم أنه كان يحضر دروس الجماعة فى منطقة العباسية منذ أن كان فى الثامنة أو التاسعة، لكنه لم ينخرط فعلياً فى نشاطها إلا حينما كان طالباً فى كلية الطب عن طريق عبدالفتاح عبده إسماعيل الذى عرَّفه بدوره على زينب الغزالى وسيد قطب عقب خروجه من السجن سنة 1964، ومن ثم لا أحد ذكر على الإطلاق، سواء فى الحقيقة أو فى حلقات «رأس الأفعى»، أى وجود لمحمود عزت فى قضية حادث المنشية.
فلماذا تقوَّل هذا المدَّعى على المسلسل بما ليس فيه؟ إما أنه لم يشاهد -من الأساس- الحلقة الأولى من المسلسل، ووصف له أحدهم المشهد فقرَّر الركوب عليه كعادته فى مثل هذه الأمور، وإما أنه جاهل بتاريخ قادة جماعته، وتعامل مع الواقعة على طريقة «اللى حافظ مش فاهم»، وإما أنه تعمَّد تمييع الحقائق وتزييفها من أجل صناعة محتوى حلقة زاعقة من حلقات برنامجه الأجوف، وأياً ما كان فإن الغرض والهوى وسوء القصد كان بالتأكيد وراء كل ما جرى، وعلى أية حال فإن هذا المدَّعى هو ذاته الذى كان قد قال سابقاً عبر قناته على «يوتيوب» إن الجهات المصرية استغلت الفنانين فؤاد المهندس ومحمد رضا فى عملية تدمير الحفار الإسرائيلى غرب أفريقيا عن طريق فيلم «عماشة فى الأدغال»، وهذا غير صحيح بالمرة، ولكنه -كغيره- نقل هذه المعلومة نقلاً ببغائياً دون أى تحرٍّ أو بحث.
وتبقى حلقات «رأس الأفعى»، رغم أنف هؤلاء، وثيقة إدانة توثق جانباً من تاريخهم الأسود وتكشف للأجيال الحالية جذور قادة الجماعة وكيف تأصَّلت فيهم نوازع تكفير المجتمع والإضرار بمصالح مصر وشعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك