منذ أن ارتفع صوت المؤذن فوق مآذن القدس لأول مرة بعد تحريرها على يد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، ظلّت فلسطين أكثر من مجرد أرضٍ تتنازعها الجيوش والإمبراطوريات؛ كانت فكرةً حيّة، وجرحًا مفتوحًا في ضمير الأمة، وحلمًا يتوارثه جيلٌ بعد جيل.
ولعلّ من أبلغ الرموز في تاريخ فلسطين ذلك المنبر الذي أمر بصنعه نور الدين محمود زنكي قبل تحرير القدس بسنوات طويلة.
لم يكن منبرًا من الخشب والعاج فحسب، بل كان إعلانًا عن يقينٍ راسخ بأن المدينة ستعود يومًا إلى أهلها.
وحين دخل صلاح الدين القدس عام 1187م، وُضع المنبر في المسجد الأقصى، ليصبح شاهدًا على انتصارٍ سبقته الرؤية والإيمان.
ومنذ ذلك اليوم، لم تغب فلسطين عن مسرح التاريخ.
تعاقبت عليها الدول، وتوالت الحملات، لكن المدينة المقدسة بقيت حاضرة في الوجدان الإسلامي والعربي.
وفي العصر الحديث دخلت القضية مرحلة جديدة مع بدايات المشروع الصهيوني أواخر القرن التاسع عشر، ثم مع وعد بلفور عام 1917 الذي فتح الباب لتحولات عميقة في مصير الأرض والشعب.
وخلال العقود التالية، خاض الفلسطينيون سلسلة طويلة من أشكال النضال والمقاومة.
من ثورة البراق عام 1929، إلى الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، ثم نكبة عام 1948 التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين يحملون مفاتيح بيوتهم وأحلام العودة.
ومع هزيمة عام 1967 واحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، دخلت القضية طورًا جديدًا.
برزت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وارتفعت رايات الكفاح الوطني في الداخل والخارج، بينما تحولت المخيمات إلى خزائن للذاكرة الوطنية وحواضن للأمل المؤجل.
ثم جاءت الانتفاضة الأولى عام 1987، لتثبت أن الحجر قد يكون أبلغ من الرصاصة في التعبير عن إرادة شعبٍ يرفض الخضوع.
وبعدها بسنوات اندلعت الانتفاضة الثانية، حيث دخلت المقاومة الفلسطينية مرحلة أكثر تعقيدًا في مواجهة الاحتلال.
وفي العقود الأخيرة، برزت أسماء وقادة ارتبطوا بمسار المقاومة الفلسطينية، وكان من بينهم يحيى السنوار الذي أصبح أحد أبرز رموز حركة المقاومة في غزة.
وبين منبر نور الدين الذي جسّد حلم التحرير في القرن السادس الهجري، وعصا السنوار التي تحولت في المخيال الشعبي إلى رمزٍ للتحدي والصمود، تمتد حكاية طويلة من التمسك بالأرض والهوية.
إن قراءة التاريخ الفلسطيني لا تعني البحث عن انتصارٍ عسكري أو هزيمةٍ سياسية فحسب، بل تعني تتبع رحلة شعبٍ ظل يقاوم محاولات الاقتلاع، ويتمسك بحقه في البقاء.
فمنبر نور الدين كان رسالة أمل سبقت التحرير، وعصا السنوار أصبحت لدى كثيرين رمزًا للإصرار على استمرار المواجهة مهما تبدلت الظروف.
وهكذا تبقى فلسطين، بين رموز الماضي ورموز الحاضر، قصةً لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد؛ قصة أرضٍ تتجدد فيها الذاكرة كلما ظنّ البعض أنها أوشكت على النسيان، وقضيةٍ ما زالت قادرة على استدعاء التاريخ من أعماقه، لتؤكد أن الشعوب قد تتعثر، لكنها لا تتخلى عن أحلامها الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك