سمنون بن حمزة الخواص المتوفى سنة «297ه- 910م»، واحد من هؤلاء الذين كانت قصائدهم ومقولاتهم وخطبهم بمثابة قنديل ينير طريق السالكين في دروب الخاص، بذل نصوصه وكلماته من أجل أن يصبح الجمال الروحي طريقة حياة وعيش يزهد المرء فيما غيرها.
ولأنه عاشق متبتل في محراب الحب لقب بسمنون المحب، وكان أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني في القرن الثالث الهجري.
ولد سمنون في البصرة، ولكنه استقر في بغداد، وعرف عنه الزهد الشديد والإقبال على العبادة بحرص حتى إن بعض المؤرخين أشاروا إلى أنه كان يصلي في كل يوم وليلة خمسمئة ركعة، نال الفقه وطريق التصوف على يد كبار علماء التصوف: أبو الحسن سري الدين السقطي، والجنيد البغدادي، وأبو العباس القلانسي، ونال مقاماً فريدا من بين أهل التصوف، حيث ورد ذكره في العديد من مؤلفات المؤرخين لأهل الطريق ومنهم فريد العطار في كتابه الشهير «تذكرة الأولياء»، حيث قال عنه: «كان رحمه الله وحيداً في شأنه، فريداً في أوانه، مقبولاً لأهل زمانه، وهو في المحبة آية، معترفاً بفضائله».
كان سمنون علماً من أعلام التصوف، ووصل إلى ذلك المقام من خلال رؤية وفلسفة خاصة به، جعلته يقدم المحبة الخاصة لله تعالى على كل شيء، بل وحتى على المعرفة، فكان أن أعلن بذلك عن موقف مختلف أسس له من خلال مسيرة طويلة وتجارب في عالم الأرواح، وبرز ذلك في تعامله مع الناس من حوله فكان اللطف شيمته، والمحبة ديدنه، ذا رقة تفيض فتغمر كل من حوله، وذا شعور نبيل، فكان أن صدق في منهجه فأحبه الناس وأحبوا أقواله وأفعاله.
توهج طريق سمنون بالحب وعٌبّد بالخير والجمال، وأسس لذلك من خلال مقولات انتشرت بين الناس، وهي تبين منهجه في الحياة، ومنها قوله: «أصل الطريق إلى الله تعالى والقاعدة فيه، إنما هي المحبة، وغير المحبة إنما هو هباء منثور»، بل وقيل إن أصل تسميته بالمحب كان بسبب أبيات شعر لقيت صدى كبيراً وراجت رواجاً واسعاً بين الناس وقتها ولا تزال تردد في مقام المحبة إلى يومنا هذا، وهي التي جاء فيها:
هيأ سمنون قلبه من أجل نيل الرضا والمدد والأنوار والفيوض بنفس زكية وحس سليم، حيث اجتهد في أن يهذب ذاته وينقي شوائب روحه ويقبل على الناس بفعل الخير، وعلى الطريق بالتقوى وترك المعاصي ونبذ الشهوات حتى يسكن الحب روحه وينير قلبه من أجل أن يترقى في الدرجات والمقامات بالتقرب إلى الله تعالى، حيث نسج من تلك المحبة أجنحة تحلق به نحو نور الحق سبحانه وتعالى، فانفتحت عليه من السماء بركات المعرفة، وأنوار الحقيقة، والمدد الروحي، وكان الشعر زاده وأنيسة في وحشته، ووسيلته في المناجاة والتعبير عن ذاته وما يفتعل في نفسه التائقة إلى النور.
أشار العديد من المؤرخين من أهل التصوف إلى أن سمنون حالة مختلفة وخاصة في العشق والمحبة والتبتل، حيث كانت كلمات قصائده، من فرط صدقها، تصل إلى وجدان الناس فتغير من أحوالهم، وكأن عطراً سكب عليهم، وكان حين يخطب هو الناس، يكون في حالة مختلفة من العشق والوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك