أكد الدكتور محمد محسن أبوالنور، رئيس المنتدى العربى لتحليل السياسات الإيرانية ورئيس وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات الاستراتيجية، أن الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران جاء محسوباً ونقل المشهد من حافة الردع الهش إلى اختبار مباشر لقواعد الاشتباك.
وقال «أبوالنور» فى حوار لـ«الوطن» إن استهداف قواعد أمريكية فى دول الخليج رفع مستوى المخاطر الأمنية وكلفة التأمين والشحن، ومضيق هرمز سيبقى ورقة ضغط إيرانية.
■ بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والرد الإيرانى، هل ما زلنا أمام ردع منضبط أم أن قواعد الاشتباك سقطت فعلياً؟- ما حدث نقل المشهد من حافة الردع الهش إلى اختبار مباشر لقواعد الاشتباك، والضربة الأمريكية الإسرائيلية جاءت محسوبة من حيث الأهداف والنطاق، فى محاولة لفرض معادلة ردع جديدة دون الانجرار إلى حرب شاملة، لكن الرد الإيرانى باستهداف قواعد أمريكية فى الخليج كسر عملياً الإطار غير المباشر للمواجهة، ونحن الآن أمام ردع بالنار، وليس ردعاً بالرسائل.
■ هل الضربة ستظل ضمن نطاق محدود، أم أن الردود المتبادلة قد تقود إلى انزلاق أوسع نحو حرب إقليمية؟- الضربة فى تصميمها الأولى بدت محدودة ذات أهداف نوعية، ورسالة ردعية واضحة، لكن الرد الإيرانى الذى استهدف قواعد أمريكية وسّع رقعة الاشتباك جغرافياً، وإن ظل منضبطاً نسبياً من حيث حجم الخسائر.
الخطر الآن يكمن فى دينامية التفاعل، فكل طرف سيشعر بضرورة تثبيت صورته الردعية، وإذا اكتفى الطرفان بجولة محسوبة، قد نعود إلى احتواء متوتر، أما إذا تكررت الضربات وتوسعت لتشمل ساحات إضافية، فإن احتمال الانزلاق إلى حرب إقليمية سيصبح أكثر واقعية.
■ هل تعتمد إيران على استراتيجية الحرب بالوكالة بعد أن دخلت المواجهة المباشرة؟الرد المباشر على القواعد الأمريكية لا يلغى استراتيجية الحرب بالوكالة، بل قد يدفع إلى تفعيلها بشكل أوسع لتوزيع كلفة المواجهة، وطهران تدرك أن المواجهة المفتوحة مكلفة، لذلك ستسعى إلى الجمع بين الرد المباشر المحدود وتفعيل ساحات متعددة عبر حلفائها، لإبقاء الضغط قائماً دون تركيز النار على أراضيها فقط.
استهداف قواعد أمريكية فى دول خليجية يرفع مستوى المخاطر الأمنية ويرفع كلفة التأمين والشحن.
■ كيف سينعكس ما حدث على أمن الخليج وحرية الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز؟- الضربة والرد جعلا أمن الخليج فى قلب العاصفة، حتى دون إعلان إغلاق، فمجرد استهداف قواعد أمريكية فى دول خليجية يرفع مستوى المخاطر الأمنية إلى درجة تؤثر فوراً فى كلفة التأمين والشحن، ومضيق هرمز سيبقى ورقة ضغط إيرانية حاضرة، لكن استخدامه بأقصى طاقته سيستدعى تحالفاً دولياً واسعاً لحماية الملاحة، والأرجح أننا سنشهد تهديدات تكتيكية، وربما عمليات تعطيل جزئى، دون بلوغ حد الإغلاق الكامل، إلا إذا توسعت المواجهة بشكل يُفقد الأطراف القدرة على الضبط.
■ هل الداخل الأمريكى مستعد لتحمل تبعات التصعيد بعد أن تحولت الضربة إلى مواجهة مباشرة؟- القرار العسكرى اتُخذ، لكن إدارة تبعاته السياسية مسألة مختلفة، فالمزاج العام الأمريكى يميل إلى تقليل الانخراط العسكرى الطويل فى الشرق الأوسط، وأى تصعيد ممتد أو ارتفاع حاد فى أسعار الطاقة سيشكل ضغطاً داخلياً كبيراً، وستسعى الإدارة الأمريكية إلى تقديم ما حدث كعملية ردعية ناجحة ومحدودة، مع التأكيد على عدم الرغبة فى حرب شاملة.
■ هل يؤدى تكرار استهداف المنشآت النووية الإيرانية إلى تسريع البرنامج النووى بدلاً من تعطيله؟- التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات الوقائية قد تؤخر البرامج النووية، لكنها نادراً ما تنهيها، ما حدث اليوم قد يدفع إيران إلى تعزيز السرية وتقليص أى انفتاح رقابى، مع تسريع العمل ضمن إطار أمنى أكثر انغلاقاً.
الضربة قد تتحول من أداة تعطيل إلى محفز لتعزيز منطق الردع النووى الكامن.
■ هل تتحول هذه المواجهة إلى فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط؟- إذا بقيت المواجهة محدودة، فقد تفضى إلى إعادة ضبط توازنات جزئية، لا إعادة رسم شاملة، أما إذا توسعت وخرجت عن السيطرة، فقد تفتح الباب أمام إعادة تموضع إقليمى واسع، لكن خبرة المنطقة تشير إلى أن الحروب غير الحاسمة تكرس الهشاشة بدل أن تنتج نظاماً جديداً مستقراً، والاحتمال الأكبر هو إضافة طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد إقليمى متشظٍّ أصلاً.
■ كيف انعكس التصعيد على أسعار النفط والاقتصاد العالمى؟- رد الفعل الأولى فى الأسواق سيكون ارتفاعاً حاداً فى أسعار النفط بسبب المخاطر الجيوسياسية، إذا استمرت الضربات أو تعرضت الإمدادات لاضطراب فعلى، فقد نشهد موجة تضخمية جديدة عالمياً.
السيناريو الأسوأ يتمثل فى اقتراب الأسعار من مستويات قياسية إذا تعرضت الملاحة فى مضيق هرمز لتهديد مستمر، وفى هذه الحالة قد يتشكل مزيج من تباطؤ اقتصادى وارتفاع أسعار، وهو وضع يصعب احتواؤه سريعاً ويؤثر فى اقتصادات ناشئة ومتقدمة على حد سواء.
■ وما أبرز التحديات الاستراتيجية بعد الضربة والرد الإيرانى بالنسبة لمصر؟- مصر ستتأثر اقتصادياً عبر أسعار الطاقة وكلفة الواردات، كما قد تتأثر عائدات قناة السويس إذا تراجعت حركة التجارة أو تحولت مساراتها، وأمنياً يبرز تحدى حماية البحر الأحمر ومنع امتداد التوتر إلى جواره، والتأثير الاقتصادى سيكون الأسرع، لكن الأهم هو كيفية تموضع القاهرة بحذر داخل شبكة توازنات إقليمية تتغير سريعاً، مع الحفاظ على مصالحها واستقرارها الداخلى.
■ بعد إعلان مقتل على خامنئى، هل سيكون تحرك إيران عشوائياً وانتقامياً أم أنها قد تتراجع؟- المرجح أن يكون الرد انتقامياً، لكن ليس بالضرورة عشوائياً، العقيدة الأمنية للنظام الإيرانى قائمة على مبدأ الردع بالانتقام المحسوب، أى توجيه ضربة مؤلمة تعيد تثبيت معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد بقاء النظام ذاته واغتيال المرشد الأعلى لن يُنظر إليه كحدث أمنى عابر، بل استهداف مباشر لرأس النظام ورمزيته الدينية والسياسية، ما يفرض رداً بحجم الحدث.
لكن طبيعة هذا الرد ستتوقف إلى حد كبير على هوية المرشد الثالث وخلفيته، فإذا جاء يميل إلى التيار العقائدى المتشدد، فقد يدفع نحو تصعيد واسع عبر الأذرع الإقليمية أو حتى مواجهة مباشرة محسوبة.
مشاركة إسرائيل فى الضربة تعنى أنها أصبحت طرفاً مباشراً فى الحسابات الإيرانية، وإذا رأت أن الأهداف الاستراتيجية تحققت، قد تفضل تجنب جولات إضافية واسعة، لكن إذا شعرت بتهديد مباشر أو غير مباشر، فقد تواصل الانخراط العسكرى، واستمرار انخراطها سيزيد احتمالات فتح جبهات متعددة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك