عمان- في توقيت بالغ الحساسية على مستوى ملف الأمن المائي، كشف مصدر حكومي، في تصريحات خاصة لـ" الغد"، عن ملامح خطة بديلة أعدّتها الحكومة تحسبا لعدم تجديد اتفاقية شراء 50 مليون م3 من المياه سنويا من إسرائيل، في خطوة تعكس انتقالا مدروسا من منطق الاعتماد الجزئي إلى تعزيز الموارد الداخلية.
اضافة اعلان.
المصدر الحكومي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أكد أن الخطة ترتكز على محور رئيسي؛ يتمثل في حفر آبار جديدة بعد دراسة الأحواض المائية القائمة وضمن الأحواض المائية ذات النوعية والكمية الجيدة، وذلك بالإضافة إلى" إعادة تأهيل الآبار القائمة أصلا، ليتم العمل على رفع وزيادة إنتاجيتها".
وكشفت هذه التصريحات أن الحكومة تتحرك على مستويين متوازيين؛ الأول قصير ومتوسط الأمد، عبر تعظيم إنتاجية الآبار وإعادة تأهيلها، والثاني طويل الأمد عبر مشروع الناقل الوطني كمصدر مستدام يوفر 300 مليون م3 سنويا.
وبينما يبقى تجديد الاتفاقية من عدمه رهنا بالتطورات السياسية، فإن المؤشرات الواردة في تصريحات المصدر الحكومي، توحي بأن الأردن يعيد رسم خريطة أمنه المائي على أساس تقليل الاعتماد الخارجي، وتثبيت معادلة قوامها أن" المصلحة الوطنية" هي المرجعية الحاكمة لأي قرار مستقبلي في هذا الملف الحيوي.
ويعكس هذا التوجه مضيّا عمليا نحو تعظيم الاستفادة من المخزون الجوفي القائم، كحل مؤقت بدلا من الاكتفاء بخيارات الاستيراد الخارجي، وذلك لحين تنفيذ الحل الإستراتيجي المستدام وهو مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر.
ووفق التصريحات الرسمية، فإن الحكومة لم تنتظر انتهاء الاتفاقية لتبدأ التحرك، إذ أكد مصدر مسؤول، في وقت سابق، أن الخطة أُعدّت" بتوجيه من رئيس الوزراء العام الماضي وقبل انتهاء الاتفاقية لضمان استدامة الأمن المائي الأردني".
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ضوء تأكيد أن الاتفاقية" انتهت قبل ثلاثة أشهر ولم تجدد حتى الآن"، ما يعني أن التحرك الحكومي جاء استباقيا لا تفاعليا.
ويبدو أن الرسالة الأساسية في هذا السياق، هي أن القرار المائي يخضع لمعادلة سيادية، إذ شدد المصدر على أن" المصلحة الوطنية هي التي ستحدد خيارات وأولويات الأردن في هذا الشأن والإجراءات المستقبلية بهذا الخصوص"، وهو تصريح يحمل دلالة سياسية واضحة بأن الملف لم يعد يدار فقط من زاوية فنية، بل من منظور سيادي إستراتيجي.
وبموازاة الإجراءات العاجلة المرتبطة بالآبار، كشفت التصريحات عن تقدم ملموس في مشروع الناقل الوطني، حيث أشار المصدر إلى أنه يجري" حاليا الانتهاء من الخطوات الأخيرة لتوقيع الغلق المالي لمشروع الناقل الوطني للمياه مع الهيئات الدولية والمحلية"، متوقعا توقيعه" قبل نهاية الشهر القادم ليبدأ تنفيذه هذا العام".
وتبرز أهمية المشروع في قدرته على تزويد المملكة بـ" 300 مليون م3 من مياه الشرب سنويا، لتغطية احتياجاتها والعجز المائي خلال العقد القادم"، وهو رقم يعادل ستة أضعاف كمية الـ 50 مليون م3 التي كانت تشترى سنويا، ما يضع المشروع في خانة الحل الإستراتيجي الهيكلي، لا الإجرائي المؤقت.
ويأتي ذلك في سياق تلويح إسرائيلي متكرر بعدم تجديد اتفاقية بيع المياه، كانت آخر مؤشراته ما نقلته صحيفة" معاريف" العبرية عن إبلاغ الأردن بعدم نية تجديد الحصة السنوية، رغم تأكيد مصادر رسمية أردنية سابقا أنه" لم يرد للأردن أي قرار من إسرائيل بشأن اتفاق المياه المنصوص عليه ضمن اتفاقية السلام العام 1994".
ورغم الأثر السياسي لاتفاقية وادي عربة، فإن الأرقام تضع المسألة في إطار أكثر دقة؛ إذ تبلغ حاجة المملكة السنوية من مياه الشرب نحو 550 مليون م3، فيما تمثل الـ 50 مليون م3 المستوردة ما لا يزيد على 9 % من الإجمالي.
كما أن الاتفاقية الموقعة العام 1994، نصت على تزويد الأردن بـ50 مليون م3، إلا أن التنفيذ العملي دفع لاحقا نحو شراء كميات إضافية.
إلى جانب ذلك، ينص التعاون القائم على تزويد الأردن بـ 35 مليون م3، إضافة إلى 10 ملايين م3 مشتراة، فضلا عن كميات تخزين في بحيرة طبريا تتراوح بين صفر و20 مليون م3 بحسب الموسم المطري، وهي كميات منفصلة عن اتفاقية الـ 50 مليون م3 الإضافية.
وبحسب اتفاقية وادي عربة؛ تنص المادة 1 الفرع 2 في البند (د)، على تعاون إسرائيل مع الأردن، لتزويد الأخيرة بـ 50 مليون م3 من المياه، وهو الأمر الذي لم يتم، ما اضطر الأردن بعد سنوات لشراء هذه الكمية من الجانب الإسرائيلي، بحسب مصدر مطلع.
في المقابل، تبرز المياه الجوفية كخيار سريع التنفيذ، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية الاستفادة من الآبار العميقة وبشكل عاجل، إلى جانب أهمية توسيع الاستفادة من المياه العادمة المعالجة عبر محطات الصرف الصحي.
وتتقاطع هذه الطروحات مع ضرورة فتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في حفر الآبار، وتسريع وتيرة الإجراءات الاستباقية تحسبا لأي طارئ.
وتعد هذه الاتفاقية الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، اتفاقية للحقوق المائية السيادية الأردنية الموقعة بين الجانبين في العام 1994، وهي غير الاتفاقية التي يرفض الجانب الإسرائيلي تجديدها وكانت وقعت في العام 2023، لبيع المملكة 50 مليون م3 سنويا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك