إيلاف من واشنطن: كشفت وثائق رُفعت عنها السرية، ونشرت تفاصيلها صحيفة" ديلي ميل" البريطانية، عن قيام الحكومة الأميركية بتعمد حقن مواطنين بمواد مشعة دون علمهم أو موافقتهم، ضمن تجارب نووية سرية امتدت لعقود وطالت آلاف الضحايا.
وتعود تفاصيل هذه الفضيحة الطبية الدموية الأولى إلى الفترة بين عامي 1945 و1947، حين أجرى أطباء أميركيون تجارب على 18 مريضاً في المستشفيات، فحقنوهم بالبلوتونيوم لدراسة كيفية تحرك المادة في الجسم وتأثيراتها، ضمن مشاريع الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة لفهم مخاطر الإشعاع على عمال القنابل الذرية.
مأساة" إيب كيد" والجرعة القاتلة.
وتشير تقارير" ديلي ميل" إلى أن عامل الأسمنت الأميركي من أصل أفريقي" إيب كيد" كان من الضحايا الأوائل؛ فبعد حادث سير مروع أصابه بكسور في الرضفة والساعد وعظمة الفخذ، نُقل إلى مستشفى" أوك ريدج" العسكري، ليُحقن بعد أربعة أيام بجرعة بلوتونيوم في ذراعه اليسرى دون علمه.
وتكشف الوثائق أن الجرعة كانت أكبر بخمس مرات مما اعتبره العلماء آمناً، وأكبر بـ80 مرة مما يمتصه الشخص سنوياً.
وقد اعترف جوزيف هاولاند، مساعد رئيس الأبحاث الطبية، في مذكرة داخلية بأنه نفذ الأمر رغم اعتراضه لأن" الأمر هو أمر" في الجيش.
وتوفي كيد عن عمر 63 عاماً، بعد 8 سنوات من حقنه، بينما عاش إخوته لعقود أطول.
أخطاء التشخيص والسموم الإشعاعية.
وفي حالة أخرى صادمة، شُخص" ألبرت ستيفنز" (58 عاماً) خطأً بسرطان المعدة، ليُحقن سراً بجرعة هائلة من" البلوتونيوم-238"، وهو نظير أكثر إشعاعاً بـ 276 مرة من النظير العادي.
ورغم اكتشاف الأطباء لاحقاً أنه يعاني من قرحة حميدة فقط، فقد عاش بجرعته المميتة 21 عاماً إضافية.
كما تبرز قصة" جانيت شتات" التي قضت بسبب سوء التغذية الناتج عن سرطان الحنجرة بعد تشعيعها، ولم تعلم عائلتها بالحقيقة حتى عام 1994 حين اتصلت بهم وزيرة الطاقة هيزل أوليري.
هوس" البيانات البشرية" والتعتيم الشامل.
برر علماء مختبر شيكاغو هذه التجارب بالحاجة لبيانات بشرية، رغم تحذيرات الباحث" ستافورد وارين" -مخترع الماموغرام- من أن امتصاص ميكروغرامات من البلوتونيوم يعني اليقين بالإصابة بفقر دم أو ورم خبيث.
ولم تتوقف الفضيحة عند الحقن، بل شملت وفق وثائق" ديلي ميل" تعريض الأطفال للنظائر المشعة، وتشعيع السجناء، وتعريض الجنود للانفجارات النووية، ومراقبة تأثير التساقط النووي على عمال مناجم اليورانيوم وسكان جزر مارشال، وصولاً إلى مرضى السرطان في السبعينيات الذين عوملوا كأدوات لتغذية الجيش بالمعلومات.
جائزة" بوليتزر" والملفات المسكوت عنها.
أجريت هذه التجارب بواسطة علماء" مشروع مانهاتن" وهيئة الطاقة الذرية والبنتاغون، وصُنفت" سرية للغاية" لتجنب الغضب الشعبي وفق مذكرة صادرة عام 1947.
واستمر التعتيم حتى عام 1995 حين أمر الرئيس كلينتون بالكشف عن الوثائق، لتخلص لجنة استشارية إلى رعاية الحكومة لـ4 آلاف تجربة.
وتروي الصحافية" إيلين ويلسوم"، الحائزة على جائزة" بوليتزر"، أنها اكتشفت القصة بالمصادفة أثناء قراءتها عن تجارب مماثلة على" كلاب البيجل"، لتكتشف في كتابها" ملفات البلوتونيوم" أن البشر واجهوا المصير الكارثي نفسه تحت شعار الأمن القومي والتقدم العلمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك