في زمن الحرب العالمية الثانية بين عامي 1939 و1945، كانت الملاهي الليلية والفرق الاستعراضية تتنافس فيما بينها حول الانحياز لأحد معسكري الحرب، فتجد هذا الملهى يدافع عن معسكر الحلفاء، الذي يضم إنجلترا وفرنسا وروسيا، وترى آخر يعلن ولاءه لدول المحور: ألمانيا وإيطاليا واليابان، مع ميل واضح من جانب هذه الفرق والملاهي إلى المعسكر الأول تملقاً للإنجليز الذين كانوا يحتلون مصر في ذلك الوقت، لا سيما أن جنودهم الموجودين في القاهرة والإسكندرية وبورسعيد تحديداً كانوا يمارسون بلطجتهم على أصحاب هذه الكازينوهات وعلى روادها أيضاً، وكانت الراقصة بديعة مصابني قد نقلت نشاطها من ملهاها الشتوي في شارع عماد الدين إلى مقره الصيفي عند الكوبري الإنجليزي أو الكوبري الأعمى كما كانوا يسمونه، في المكان الذي يشغله حالياً فندق شيراتون القاهرة، وبلغ من نجاح عروض فرقة بديعة في ذلك المقر أن كان الناس يطلقون على هذا الكوبرى اسم «كوبرى بديعة» قبل أن يصبح اسمه الحالي عقب قيام ثورة يوليو كوبري الجلاء، ومنذ أن بدأت الحرب العالمية الثانية أعلنت «بديعة» الانحياز إلى معسكر الحلفاء بزعامة إنجلترا اتقاء لشر الجنود الإنجليز الذين كانوا يملأون مسرحها كل ليلة.
وكانت «بديعة» توظف معظم عروض فرقتها التي كان يكتبها عادة أبوالسعود الإبياري لمهاجمة هتلر وموسوليني زعيمي ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وكان ذلك يلقى استحسان السفارة البريطانية في القاهرة، وقيل إن «بديعة» كانت تتلقى دعماً مادياً من إنجلترا حتى تقوم بهذه المهمة، وما رجح هذا الاعتقاد أن كازينو بديعة كان الأقل في بلطجة السكارى من الجنود الإنجليز قياساً ببقية الملاهي الأخرى.
وكانت «بديعة» توقف عادة نشاط فرقتها في شهر رمضان بسبب عدم إقبال المصريين على السهر في تلك الملاهي، وحدث أن حققت جيوش المحور انتصارات متتالية على جيوش الحلفاء في شمال أفريقيا حتى وصلت جيوشها إلى منطقة العلمين عند الحدود المصرية الليبية بقيادة القائد المحنك «روميل» وهنا استشعرت «بديعة» الخطر، وأيقنت أن أول ما يمكن أن يفعله «هتلر» عند دخوله القاهرة هو المطالبة برأس «بديعة» وليس برقصها، فماذا تفعل ملكة المسارح؟ انتهزت «بديعة» هدوء الحياة العامة في مصر أثناء شهر رمضان، وانشغال الناس بالاحتفال بالشهر الكريم، وأعدت عدتها من أجل الهرب إلى لبنان خوفاً من ملاحقة «هتلر» لها موقنةً من أن أحداً لن يستشعر غيابها ما دام ملهاها قد اعتاد في هذا الشهر إغلاق أبوابه.
وبالفعل جمعت «مصابني» في صندوق كل ما استطاعت من مال ومشغولات ذهبية، وأحكمت إغلاقه، وأودعته لدى أحد ملقني الفرقة دون أن يعرف ما بالصندوق من ثروة، وحاولت أن تقنع نصفها الآخر نجيب الريحاني -رغم ما بينهما من خلافات زوجية- بأن يفعل مثلها، لكن «الريحانى» الممالئ هو أيضاً للإنجليز رفض وأصر على البقاء في مصر، وذات صباح رمضاني فوجئ الجميع باختفاء بديعة مصابنى من مصر كلها، ثم علموا أنها وصلت إلى العاصمة اللبنانية بيروت في مساء الليلة السابقة وقت الإفطار، وبقيت «بديعة» في لبنان مسقط رأسها حتى تأكدت تماماً من هزيمة الألمان والإيطاليين في موقعة العلمين، وعدم قدرتهم على دخول مصر، وأن الخطر الذي كان يهددها قد زال بالفعل، فقط عند هذه النقطة قررت «مصابني» العودة إلى مصر واستعادة نشاطها الفني من جديد خاصة أن أيام شهر رمضان كانت قد انتهت، وعاد الساهرون إلى ممارسة حياتهم الاعتيادية.
وبالمناسبة فإن لبديعة مصابني هروباً آخر من مصر بعد هذه الواقعة بعدة سنوات، وهو الهروب الأكبر والأخير والأكثر إثارة، فقد طالبتها الضرائب بمبالغ طائلة مقابل نشاطها الفني، على الرغم من أنها كانت قد خسرت كثيراً من ثروتها حينما تحالف عليها أنطوان عيسى ابن شقيقتها مع إحدى راقصات مسرحها وهي ببا عز الدين، وانفصلا عنها، وكونا سوياً فرقة خاصة بها، لكن «بديعة» لم تستطع الوصول مع الضرائب إلى اتفاق يرضى الطرفين، فاتفقت مع أحد الطيارين الأجانب على أن تستقل طائرته من صحراء مصر الجديدة في جنح الليل، ويتجه بها مرة أخرى إلى لبنان، وهذه المرة لم تعد «بديعة» إلى مصر، وإنما أقامت لها مزرعة في منطقة «شتورة» قضت بها سنواتها الأخيرة حتى وفاتها عام 1974.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك