قبل الغروب بساعة تقريباً، يبدأ كورنيش النيل في سوهاج في تغيير ملامحه تدريجياً، الحركة تصبح أبطأ، والخطوات تتجه نحو ميدان جمال عبدالناصر، حيث يقف مدفع رمضان في موقعه المعتاد، موجهاً فوهته ناحية النيل، كأنه يستعد لأداء دوره في طقس يومي يعرفه أهالي سوهاج جيداً، ويحفظون توقيته عن ظهر قلب.
المشهد يتشكل بهدوء، المسئول عن المدفع ينحنى عليه بكل عناية، يزيل عنه آثار الغبار، يراجع دائرة التشغيل الكهربائية، ويضع القذيفة الصوتية داخل الماسورة بحركات دقيقة اعتادها منذ سنوات، وفى المقابل، يبدأ أهالي سوهاج في التجمع حول المدفع، أطفال يركضون ثم يعودون مسرعين إلى جوار أسرهم، أمهات يلتقطن الصور، شباب يثبتون هواتفهم في اتجاه المدفع، وكبار سن يختارون أماكن قريبة تتيح لهم رؤية واضحة لحظة إطلاق المدفع.
«سعد عطا»، يبلغ من العمر 63 سنة، يقف ممسكاً بيد حفيده الصغير، حضوره شبه يومي منذ عقود، تحدث لـ«الوطن» قائلاً: «أنا باجي هنا منذ طفولتي، كنت بأقف جنب أبويا، الله يرحمه، نستنى الصوت، دلوقتي بأجيب حفيدي علشان يعيش نفس اللحظة، المدفع ده بالنسبة لنا مش مجرد صوت، ده لحظة فرح».
وعلى بعد خطوات من المدفع، تجلس «سهير خالد» مع زوجها وأطفالها الأربعة، تعتبر أن الدقائق التي تسبق أذان المغرب نزهة رمضانية ثابتة، وقالت: «ممكن نعرف ميعاد المغرب من الموبايل، لكن لما نيجي هنا ونسمع المدفع وسط الناس، الإحساس بيكون مختلف، كأن المدينة كلها بتفطر مع بعض، واحنا اتعودنا كل سنة نفطر جنب المدفع».
أما «علاء مختار»، طالب جامعى، فأكد أن التكنولوجيا لم تستطع إزاحة هذا الطقس الشعبي من الوجدان، وتابع قائلاً: «التطبيقات بتحدد الوقت بالثانية، لكن اللحظة دي ما تتعوضش، لما الصوت يضرب وكل الناس تفرح في نفس اللحظة، بتحس بشعور جميل جداً».
العائلات تعودت أن تتجمع في ميدان «عبدالناصر» كل سنة وتتناول الإفطار بجوار المدفع.
ومع انطلاق أذان المغرب يدوى صوت المدفع في سماء سوهاج، فيهتز المكان بصيحات الفرح والتكبير، لحظة لا تتجاوز ثوان معدودة، لكنها تختصر يوم صيام كاملاً، وتحول الانتظار إلى احتفال خاطف، بعدها بدقائق، ينصرف الجميع مسرعين إلى منازلهم.
يتراوح عدد الموجودين حول المدفع ما بين 1000 و1500 مواطن من أبناء سوهاج يومياً، ويزداد العدد في أول أيام الشهر الكريم وفى العطلات الأسبوعية، هذا الحضور لا تحركه الحاجة لمعرفة توقيت الإفطار، فمواقيت الصلاة متاحة بدقة عبر الإذاعات والتليفزيونات وتطبيقات الهواتف، بل تحركه الرغبة في المشاركة الجماعية في حالة وجدانية للحظة واحدة.
من منظور اجتماعي، قال الدكتور محمد صبري، الباحث في علم الاجتماع، في تصريحات لـ«الوطن»، إنه يمكن النظر إلى مدفع رمضان بوصفه أحد تجليات الذاكرة الجمعية، فالصوت الذي ينطلق كل مساء، لا يعلن فقط انتهاء ساعات الصيام، بل يعيد إنتاج مشهد يتكرر سنوياً، فتترسخ صورته في وعي الأطفال قبل الكبار، الذين يقفون في انتظار دوى المدفع، سيكبرون وهم يحتفظون بصورة المكان والغروب والوجوه المحيطة بهم، تماماً كما يفعل آباؤهم الآن، وهكذا تنتقل الحالة الرمضانية من جيل إلى آخر، لا عبر السرد فقط، بل عبر المعايشة.
يجرى نقل مدفع الإفطار إلى موقعه المعتاد على كورنيش سوهاج الغربي، قبل يوم واحد من حلول شهر الصيام، بواسطة سيارة نصف نقل، وأحياناً ترافقه سيارة شرطة، لتأمين عملية النقل، وتنظيم الحركة، نظراً للإقبال الجماهيرى، وعقب تنزيله ووضعه في مكانه، يتم توجيه ماسورته ناحية النيل، ليصبح الغروب خلفه، في مشهد جمالي مكتمل، من ماء يجرى في هدوء، وشمس تقترب من الاختفاء، وصوت يستعد ليعلن نهاية يوم من الصيام.
ويعود تاريخ مدفع الإفطار إلى العصر المملوكي، حين أطلق السلطان «خوشقدم» مدفعاً، تزامن مع غروب أول أيام رمضان، فاعتبره سكان القاهرة إشارة للإفطار، وتذكر روايات تاريخية أن العادة ترسخت لاحقاً في عهد «الخديو إسماعيل»، قبل أن تنتقل إلى مدن عدة، من بينها إسطنبول، ومنها إلى عواصم عربية وإسلامية أخرى، ومع تطور وسائل الإعلام، لم يعد المدفع وسيلة عملية لمعرفة الوقت، لكنه ظل رمزاً ثقافياً، يعبر عن هوية الشهر الكريم وروحانياته.
ويقول خالد أبوالنصر، موظف، إنه يحرص على الحضور بصحبة والدته المسنة كل عام، موضحاً أن الأمر بالنسبة له يتجاوز فكرة مشاهدة المدفع، «والدتى مرتبطة بالمكان ده من سنين طويلة، وكل ما نقرب من رمضان تسألنى هنروح إمتى، بحس إن وجودى معاها هنا نوع من الوفاء لذكرياتها»، على حد تعبيره، ويشير إلى أن اللحظة التي ينطلق فيها صوت المدفع تمنحه شعوراً بالسكينة، وكأنها فاصلة واضحة بين تعب اليوم وراحة الإفطار، وأن هذه الدقائق القليلة أصبحت جزءاً أساسياً من طقوسه الرمضانية.
أما سماح جابر، طالبة بجامعة سوهاج، فتؤكد أنها تحرص على الحضور مع مجموعة من قريباتها في أكثر من يوم خلال الشهر، وأن التجمع أمام المدفع يمنحهن فرصة للالتقاء في أجواء مختلفة بعيداً عن الروتين اليومى، وتابعت «رمضان دايماً له طابع خاص، لكن وجودنا هنا قبل المغرب بيخلى الإحساس أقوى، بنستنى الصوت، ونضحك، ونتصور، وبعدها كل واحدة تروح بيتها»، وترى أن هذه العادة تمنح الشهر حالة اجتماعية وجدانية ممتعة، حيث يلتقى الناس من خلفيات مختلفة في لحظة واحدة تجمعهم على فرحة مشتركة.
بينما تحرص الحاجة نفيسة، وهى في أواخر الستينات من عمرها، على الحضور كل عام، موضحة أنها لا تأتى فقط لسماع صوت المدفع، بل للاستمتاع بالمشهد العام، وتقول «المكان بيبقى فيه حياة، الناس واقفة جنب بعض، وكلنا مستنيين نفس اللحظة».
كما يحرص جمال خلف، شاب يعمل على تروسيكل، هو الآخر على الوجود رغم طبيعة عمله الشاقة، حيث يؤكد أن الدقائق التي تسبق إطلاق المدفع تحمل طابعاً خاصاً، «قبل الضربة بدقيقة بتحس إن المكان كله ساكت ومستنى، والإحساس ده مختلف» على حد قوله.
أما عطيات سعد، وهى أم لطفلة تبلغ من العمر 7 سنوات، فتعتبر الحضور عادة سنوية تحرص على استمرارها، قائلة إنها تصطحب ابنتها كل عام حتى ترتبط بذاكرة المكان، مشيرة إلى أن هذه اللحظات ستبقى راسخة في ذاكرتها طوال حياتها.
بينما يقف مينا رفقى، وهو قبطى موظف في شركة خاصة، برفقة شقيقه، يؤكد أن وجوده أمام المدفع يعود إلى سنوات الطفولة، موضحاً «اتعودنا نيجى كل رمضان، المشهد ده جزء من شكل الشهر في سوهاج، رغم إنى مش صايم زى إخواتنا المسلمين إلا أننى بشارك الفرحة وبسعد بيها».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك