أوضح مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن سورة الأنعام من السور العظيمة التي حفلت بقضايا الإيمان الكبرى، والحجج والبراهين الدامغة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، مؤكدًا أنها تمثل نموذجًا قرآنيًّا رفيعًا في ترسيخ العقيدة وتصحيح المفاهيم.
وبيَّن المركز أن سورة الأنعام من سبع القرآن الطوال، وهي سورة مكية، ترتيبها الخامس والخمسون من حيث النزول، نزلت بعد سورة الحجر وقبل سورة الصافات، وعدد آياتها 165 آية، وسُمِّيَت بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها، باعتبارها من أهم ثروات البيئة العربية ومقومات معايشهم آنذاك.
وأشار إلى أن السورة نزلت جملةً واحدة؛ ردًّا على المشركين الذين أنكروا البعث والنشور، وطعنوا في نزول القرآن الكريم على سيدنا النبي ﷺ، وقد استقبلها النبي ﷺ بالفرح والتهليل والتسبيح؛ فعن جابر رضي الله عنه أنه قال: «لما نزلت سورة الأنعام سبَّح رسول الله ﷺ ثم قال: لقد شيَّع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق» «أخرجه الحاكم».
وأوضح البيان أن السورة رغم طولها خلت من قصص الأنبياء إلا في موضعين تضمنا حوار سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه عبدة الكواكب، كما لم تُفصِّل أحكام العبادات أو الأسرة أو العقوبات أو الحديث عن أهل الكتاب، على خلاف ما جرت عليه عادة السور الطوال، وإنما ركزت على تقرير أصول الإيمان وقواعد التوحيد.
وبيَّن مركز الأزهر للفتوى أن السورة افتتحت بحمد الله تعالى والثناء عليه، وبيان مظاهر قدرته في خلق السماوات والأرض وتقليب الليل والنهار، في تقريع واضح لمن عدلوا عن عبادته سبحانه إلى عبادة غيره من مخلوقاته، كما عرضت قضايا العقيدة بأسلوبٍ استفهامي يثير التفكير، ثم أقامت الأدلة والبراهين على وحدانية الله وربوبيته، مؤكدة أن المعاندين لا تنفعهم المعجزات مهما عظمت.
وأضاف أن السورة عددت نعم الله المبثوثة في الكون، وأبرزت تقابل الظواهر الكونية كالبر والبحر، والليل والنهار، والحي والميت؛ للدلالة على الإحاطة والإحكام، كما أكدت اختصاص الله تعالى بعلم الغيب، وكررت لفظ «قل» أربعًا وأربعين مرة؛ تأكيدًا على صلة الوحي بالنبي ﷺ، وعصمته في تبليغ رسالة ربه.
وأشار المركز إلى أن السورة رسمت منهجًا رصينًا للحوار والمناظرة في قضايا العقيدة، كما تجلى في حوار سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه، حيث خاطب عقولهم وأثار تفكيرهم في خلق الكون للوصول إلى معرفة خالقه سبحانه.
كما تضمنت السورة جملةً من القيم والأحكام التي تضبط سلوك الإنسان وأخلاقه، فقررت حقائق كبرى مثل: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون}، وأمرت بالإعراض عن مجالس الاستهزاء بآيات الله، وبيَّنت المحرمات على سبيل الحصر، وأكدت أن ما عداها من المباحات داخل في دائرة الحِلِّ، كما في قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرَّمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير.
}، وأمرت بمكارم الأخلاق وصلة الأرحام والإحسان إلى الوالدين.
وختم البيان بالإشارة إلى أن ختام السورة يؤكد أن منهج الوحي هو منهج الهداية والاستقامة والنجاة، في قوله تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا.
}، داعيًا إلى تدبر هذه السورة العظيمة والوقوف عند ما اشتملت عليه من أصول الإيمان وقواعد السلوك.
وسأل مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الله تعالى أن يحفظنا بالقرآن العظيم، وأن يرزقنا فهمه وتدبره والعمل به، وأن يجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك