تعد السواحل المصرية، الممتدة لآلاف الكيلومترات، ركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصادي، إلا أنها تقف اليوم في خط المواجهة الأول أمام تحديات التغيرات المناخية وارتفاع منسوب مياه البحار، لذلك تخوض الدولة المصرية ممثلة في وزارة الموارد المائية والري معركة تقنية وعلمية على امتداد سواحلها الشمالية، حيث لم تعد مشروعات حماية الشواطئ مجرد أعمال هندسية روتينية، بل أصبحت" حائط صد" استراتيجي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تهدد الدلتا والمدن الساحلية.
تتوزع الجهود الحالية في نقاط جغرافية بالغة الأهمية، حيث تتصدر الإسكندرية المشهد بمشروعين ضخمين الأول يمتد من" بئر مسعود حتى المحروسة" بطول 2 كيلومتر، والثاني يستهدف منطقة" لوران" بطول 600 متر لحماية الكورنيش، ولا تقتصر الأهداف هنا على الحماية فقط، بل تمتد لـ" استعادة الشاطئ الرملي"، وهي عملية تعيد للمدينة متنفسها السياحي الذي تآكل عبر العقود.
كشف الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، عن خريطة متكاملة لمشروعات حماية الشواطئ التي تنفذ حالياً في 5 محافظات ساحلية، مؤكداً أن الوزارة تتبنى استراتيجية شاملة توازن بين الحماية الهندسية، التنمية المستدامة، والحفاظ على النظم البيئية.
تتوزع مشروعات الحماية الحالية لتشمل نقاطاً حيوية على طول الساحل الشمالي.
وفي خطوة تعكس تسارع وتيرة الدولة المصرية لمواجهة التحديات المناخية، استعرض سويلم، ، الموقف التنفيذي لسلسلة من المشروعات الحيوية الجاري تنفيذها لحماية الشواطئ المصرية.
وتأتى هذه التحركات ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تحصين المدن الساحلية من الآثار السلبية لارتفاع منسوب مياه البحر وتآكل الشواطئ، حيث تشهد مدينة الإسكندرية وحدها مشروعين ضخمين يمتدان من منطقة بئر مسعود وحتى المحروسة ولوران، بهدف حماية طريق الكورنيش واستعادة الشواطئ الرملية المفقودة، بالتوازي مع أعمال مكثفة لحماية الأراضي المكتسبة في رأس البر بدمياط، والمناطق المنخفضة في مطروح والبحيرة وكفر الشيخ.
ولا تقتصر جهود الوزارة على التدخلات الإنشائية العاجلة، بل تمتد لتشمل صياغة رؤية علمية طويلة الأمد، إذ كشف سويلم عن قرب الانتهاء من الدراسات الخاصة بإدارة خط الشاطئ على طول الساحل الشمالي بطول 1200 كيلومتر.
وتعتمد هذه الدراسات على مفهوم" الإدارة المتكاملة" الذي ينظر للساحل كوحدة بيئية واحدة ونظام مترابط، بدلاً من التعامل معها كمشروعات منفصلة، مع التركيز على المزج بين الحلول الهندسية التقليدية والتقنيات الطبيعية الصديقة للبيئة، بما يضمن استدامة هذه المنشآت ورفع كفاءتها في مواجهة العواصف والظروف المناخية القاسية.
وعلى صعيد دعم الاقتصاد القومي، أكد سويلم أن حماية الشواطئ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بملف الاستثمار وتسهيل الإجراءات للقطاع الخاص، وتجسد ذلك في تفعيل دور اللجنة العليا لتراخيص الشواطئ لسرعة البت في الطلبات المقدمة، مع إطلاق تطبيق رقمي جديد يهدف إلى حوكمة إجراءات التراخيص وتحقيق أقصى درجات الشفافية.
وتسعى الوزارة من خلال هذه الرقمنة إلى خلق بيئة عمل محفزة للمستثمرين والأفراد، تضمن سرعة الإنجاز وتزيل العقبات البيروقراطية، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة في كافة المناطق الشاطئية.
أوضح سويلم أن الوزارة لا تكتفي بالطرق التقليدية في البناء، بل تدمج بين" المنشآت الصلبة" و" التقنيات الصديقة للبيئة"، و هذا النهج لا يهدف فقط إلى صد الأمواج، بل يسعى إلى تعزيز مرونة المناطق الساحلية على المدى الطويل، فالاعتماد على المواد المحلية والتقنيات الخضراء يقلل من البصمة الكربونية للمشروعات ويجعلها أكثر تآلفاً مع النظام البيئي البحري، مما يشكل نموذجاً دولياً يحتذى به في إدارة المناطق الساحلية.
وتكمن أهمية هذه المشروعات في كونها" صمام أمان" للاستثمارات المليارية بالساحل الشمالي.
فالبيئة البحرية بطبيعتها ديناميكية وشديدة التغير، مما يتطلب دراسات علمية دقيقة قبل وضع حجر أساس واحد.
لم تقتصر جهود الوزارة على الجانب الفني الهندي، بل امتدت لتشمل" التطوير المؤسسي" عبر تسهيل الإجراءات للمستثمرين والقطاع الخاص.
كما أطلقت الوزارة تطبيقاً رقمياً لتراخيص الشواطئ، في خطوة تهدف لتعزيز الشفافية، الحوكمة، وسرعة الإنجاز، مما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار السياحي والصناعي في المناطق الساحلية.
العائد الاستراتيجي في ظل التغيرات المناخية يتجاوز مجرد منع تآكل الرمال فهو يشمل تأمين المناطق السكنية والمنشآت الحيوية في المحافظات الساحلية من الغمر، إعادة إحياء المناطق السياحية مما يدعم الاقتصاد المحلي، حماية الطرق الدولية والساحلية وسور الكورنيش من الانهيار، الحفاظ على النظم الحيوية ومنع تملح التربة في المناطق الزراعية القريبة من السواحل.
جدير بالذكر أن مشروعات حماية الشواطئ التي تنفذها وزارة الري رؤية الدولة المصرية للعبور نحو مستقبل" مرن مناخياً"، فهى معركة وعي وعلم وهندسة على رمال السواحل، لضمان استدامة التنمية وحماية حقوق الأجيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك