تواصل المنطقة حراكها الدامى وتصاعد المواجهة بعد إعلان وفاة المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى، فيما يعيد هذا الحدث صياغة خريطة الصراع فى الشرق الأوسط بطريقة لا يمكن تفسيرها بمعزل عن السياق الدولى الواسع والمحتدم.
لقد قاد المرشد إيران لنحو أربعة عقود، ولذلك لم تكن الضربة التى أنهت حياته مجرد حدث رمزى، بل كانت خطوة زلزالية مست أعصاب السياسة الدولية، فخامنئى لم يكن مجرد رئيس عادى أو سياسى بارز، بل كان هو «صمام الأمان» والمرجع الأخير لكل القرارات الدينية والسياسية فى إيران، وكان بمثابة المحور الذى يربط بين الجيش والحرس الثورى وأجهزة الاستخبارات.
وبغياب هذا «الرأس»، دخلت البلاد فى حالة من الغموض وعدم الاستقرار، ظهرت بوضوح فى الارتباك الذى صاحب تشكيل مجلس لإدارة الدولة، خاصة مع عدم وجود خليفة متفق عليه، مما فتح الباب لصراعات صامتة على السلطة والنفوذ داخل أروقة الحكم.
ولكن، لكى نفهم الحقيقة، لا يكفى أن نرى إيران كمجرد دولة من دول المنطقة أو خصم إقليمى، فما يميز هذا الصراع هو أن إيران أصبحت جزءاً من «كتلة عالمية» كبرى تسمى «الكتلة الأوراسية»، وهى تحالف استراتيجى يضم قوى عظمى مثل الصين وروسيا.
نحن اليوم نعيش فى عالم التحالفات الكبرى، حيث لم تعد القوى العظمى تهتم فقط بحدودها، بل تقوم ببناء شبكات قوية تمتد عبر القارات لتغيير موازين القوى العالمية.
من هنا، ندرك أن الصراع حول إيران ليس فقط لمنع برنامج نووى أو تقليص نفوذها، بل هو محاولة لتعطيل نشوء نظام عالمى جديد «متعدد الأقطاب»، لا تسيطر فيه جهة واحدة على مقادير العالم، ولو نجحت هذه التحالفات الشرقية فى التماسك، فإن موازين الاقتصاد ستتغير تماماً، وستتحول مصادر الطاقة (النفط والغاز) من مجرد تجارة إلى أوراق ضغط استراتيجية قوية، فملف الطاقة منذ فترات وعقود هو اللاعب الصامت الذى يحدد إيقاع الصراع العالمى والذى له انعكاساته المباشرة على الشرق الأوسط، فضمان تدفق النفط والغاز، ليس مسألة تجارية بحتة، بل ركيزة فى هندسة النفوذ الدولى.
ومن يمتلك القدرة على تهديد هذه التدفقات يمتلك ورقة مساومة هائلة.
لذلك فإن أى مواجهة واسعة فى الخليج لن تكون مجرد صراع عسكرى، بل اختباراً لقدرة النظام العالمى على حماية شرايينه الحيوية.
إذن، نحن لسنا أمام مواجهة عسكرية فقط، بل أمام تنافس «وجودى» بين أقطاب عالمية تتصارع على شكل القرن الحادى والعشرين.
ويظهر البعد الاقتصادى لهذا الصراع بوضوح فى أهمية ممرات الطاقة والتجارة التى تربطنا بالعالم، فأى اضطراب فى مضيق هرمز أو البحر الأحمر لا يضر منطقتنا فحسب، بل يضرب الاقتصاد العالمى فى مقتل، ويؤثر على أسعار الوقود والغذاء فى كل مكان، لهذا السبب نرى الأسواق العالمية ترتجف مع كل تطور، ويتحول الذهب إلى «ملاذ آمن» ومؤشر للخطر، مما ينذر بفوضى محتملة فى نظام التجارة العالمى إذا لم يتم احتواء الموقف.
من جانب آخر، يجب أن ننتبه إلى أن اغتيال شخصية بوزن المرشد قد يؤدى لنتائج عكسية غير متوقعة، فالتاريخ يعلمنا أن الضغوط الخارجية العنيفة قد توحد الجبهة الداخلية مؤقتاً، أو تدفع النظام لتبنى مواقف أكثر تشدداً وعنفاً كنوع من الدفاع عن النفس، وهذا كله لا يعنى بالضرورة سقوط النظام، بل قد يعنى إعادة تنظيم نفسه بصورة أكثر انغلاقاً وصداماً مع الخارج.
كما أن التداعيات الفكرية لهذا الحدث لا تقل خطورة، فالحرب ترفع دائماً من صوت الخطاب المتطرف، وتُستخدم فيها الرموز الدينية لشحن العواطف، وقد تستغل تيارات متشددة هذا المناخ لتصوير الأمر كاعتداء صليبى على المعتقدات الإسلامية، أو أنها حرب على الإسلام، مما ينقل الصراع من الميدان العسكرى إلى عقول الناس وبيوتهم، ويخلق انقساماً بين دعوات التحديث وبين تيارات المقاومة العنيفة، أما الدول الإقليمية، خصوصاً تلك الواقعة على خطوط تماس النفوذ والاقتصاد، فتواجه اختباراً حقيقياً للمناعة الوطنية والحكمة السياسية، فبينما تدعو الضرورة إلى حماية السيادة للدول، ولكن تفرض الحسابات الدقيقة التريث والحذر قبل الانخراط فى صراع قد يزيد عدم الاستقرار، أو يعرّض المصالح الحيوية للخطر، فلا يمكن لأحد أن يتجاهل أن النظام الإيرانى، حتى بعد اغتيال مرشده، لا يزال يمتلك أوراق قوة على الأرض وخارجها، سواء عبر شبكة حلفائه الممتدة أو من خلال ضربات عسكرية عشوائية تطال دول الجوار، وقد تكون هذه الضربات هى الرد الذى يحفظ ماء وجهه وكرامته أمام شعوب المنطقة.
وفى الختام، ما يحدث حالياً ليس مجرد صراع إقليمى فحسب، بل هو لحظة اختبار لنظام العالم كله، والسؤال الأهم الآن ليس من سينتصر فى الحرب، بل كيف ستُحدد حدود النفوذ الجديدة؟ ومن سيضع قواعد النظام الدولى القادم؟
لقد أثبتت الأحداث أن الحسابات القديمة لم تعد تكفى لفهم عالم يتغير بسرعة مذهلة، وأن التوازنات التقليدية تنهار أمام تفاعلات القوة الجديدة، لتفتح الباب على احتمالات غير مسبوقة وصدامات محتملة لم يعد بالإمكان توقع نهايتها، إنها لحظة تجبر العالم على اليقظة القصوى، لحظة قد يعيد فيها التاريخ نفسه من جديد فى دقيقة واحدة، وقد يتحول الشرق الأوسط من بؤرة صراع إقليمى إلى شرارة تهدد استقرار النظام الدولى برمته، يبدو أننا نعيش الآن تلك اللحظة الحاسمة، حيث يمكن لخيار أو قرار واحد أن يعيد رسم ملامح القوة والنفوذ لعقود قادمة، تاركاً أثراً ممتداً على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية فى العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك