ما الطريق الذي يأخذني إلى البداية؟ لطالما لاحقني هذا السؤال وأنا أبتكر ألعابي الشعرية.
كنت مأخوذاً بالسياق الذي عليّ أن أدوزن ضمنه أوتاري، عاكفاً على أن أكون ضمن ظاهرة تعتقد دون شك أنها تشكك في كل ما هو دارج، مقحماً عناصر التأليف النوعي في خلق قصيدة تستعير أثاثها من ورشة الشعر المنجز ضمن خرائطه المقترحة.
وفي قلب وتيرة هذا التلبس الجائر روضتُ الكثير مما يتحامق في داخلي، وعبرتُه متوجساً مثلما أعبر قوس تفتيش شعاعي في مطار، وكان الأفق شاسعاً لأشع بما قرأته وبما ينبغي أن أكون، وفي خضم هذا الرونق المستعار كانت مناحل الوجدان تطن في أذني، أصوات تشكل معها لحمي ودمي ووجداني، أزجرها كلما اقتربتْ من تخوم الحبكة، أو الصيغة الجاهزة.
.
الآن، من دون أي حرص مصطنع على إرضاء هذه الخبرة، أنصت من جديد لهذا الصوات المطعون في روحي، وأعيد اكتشاف ذاتي التي أضعتها في منفى الانخراط في جوقة الذكاء المتبجح، أراجع تجربتي فلا أجدني، مثلما أحدق في مرآة ولا أرى وجهي، ثمة الكثير من التوق الداخلي الذي انطرح خارج المكابدة، وثمة إيقاعات ملأتْ مغارة الروح أزيحها من طريقي لأصل سريعاً إلي المتحف الشمعي للشعر، أحاول متملصاً من الوصاية القبضَ على هذا الإيقاع الكامن الذي زخرف روحي وأينع جسدي، فأنصت لنغم المزمار في أعماقي، لأغاني العلَم، نثر الخلاء الذي قاوم به الإنسان المفرد عزلته، أنصت لما مكث في نفسي من نئيج الريح، وتراتيل القرآن، وأغاني الرحى، ونحيب النساء، والزغاريد الذائبة في ملح الشفاه، وعواء الذئاب، وزنين الجنادب في قيظ الحقول، ونقر المطر على سقف الصفيح.
.
أطلق العنان لما تعاليت عليه في حمى ملق الأسئلة الثقيلة، أحاول أن أكتب مثل الذي يسير في نومه، يرى بعينيه المفتوحتين دون أن يصحو مخه، وأمزج الرؤية المخدرة بخزين الذاكرة، العينان مشرعتان بلا يقظة يسيران في عتمة الطريق بالضوء القاطن فيهما.
.
لأن إيقاظ الذاكرة وظيفة أخلاقية للشعر كما يستدرك الشاعر أونجاريتي في ضباب عمره، أبحث عن براءة البدايات التي حرمنا منها حين قذفنا إلي التاريخ، وعن ألعاب الطفولة التي غادرناها إلى رشد المخيلة.
إنها بمنأى عن لوثة الصعب الممتنع قصائد الحنين، ولا يمكن أن يكون الحنين إلا غناءً، أو قصائد النوستالجيا، تلك المسبة التي طالما راوغتها بذريعة النظر المنهجي إلى الأمام، وكأن الحياة قطار لا يلتفت، الحنين المنحاز إلي الدائرة، الدائرة التي هي كنه الحياة التي تطارد ذيلها، القاطنة في زمنها الدوار مثل النجوم والفصول، الحنين الذي ولِد معنا، وظل أحد ملاذات الإنسان كلما تقلصت المسافة بينه وبين الموت، وأكثر من ذلك هي قصائد الانجراف الطفولي وراء كل ما يبهج، دون توجس أو مراقبة، وليذهب إلى الجحيم كل ما قرأته إذا لم يلهم كل هذا الهديل في روحي.
.
بدأت علاقتي بالشعر وكأغلب الشعراء والغاوين مع تلك القصائد التي كنا ندرسها في مادة النصوص والتي كان حفظها الإجباري يهبني من العنت والمقت أكثر مما يهبني من المتعة.
ربما يرجع ذلك لسوء اختيار النصوص المقررة، وربما لسوء طريقة تدريسها.
كنت أتساءل: .
لماذا الكلام مرصوف بهذا الشكل الذي يشبه طوابير التلاميذ الصباحية؟ لماذا يُهندّس الشعر وما علاقته بالمسطرة؟ إني أكره الهندسة والتراصف والزوايا القائمة والحادة حتى في الحدائق التي تبدو فيها الأشجار المزروعة في طوابير كجند في ساحة.
أحب عفوية الأشجار وفوضاها وهي تختار أمكنتها في الغابة، وأحب تلك المفاجآت في الدروب المتعرجة.
كيف من الممكن أن نضع نهايات متشابهة للأبيات كالمحارم على رؤوس البنات ونقودُ المعنى عنوة إليها؟كنت أتساءل فقط بريبةِ مَن شكلت الأدغال والخلاء مخيلته، غير أنه في الوقت نفسه كان يتولد لدي شغف بالشعر الشعبي، وإن كنت في تلك الفترة وبحكم سني لا أفهم أغلبه.
حسنا يقول تي إس إليوت: الشعر الحقيقي هو الذي يصل إلى القلب قبل أن يفهمه السامع، وقال الجاحظ قبله بقرون: يُستحب ألا يكون اللفظ أسبق إلى السمع من المعنى إلى القلب.
كنت أتابع برنامج الأدب الشعبي في الراديو، وكان وجداني يمتلئ بذلك الإيقاع الغنائي، وتلك الجزالة العامية، والقدرة على اكتشاف جماليات الخلاء وصراع الإنسان الأعزل مع الأمكنة الطاردة، ورغم أن الشعر الشعبي متراصف مثل قصائد مادة النصوص، إلا أنه يبدو أن تعاملي السمعي معه جعلني لا أرى هذا التراصف، حيث كان رقص الكلام أمامي ساحراً ومثيراً، وعندما قرأت الشعر العربي القديم، اكتشفت ذلك التشابه الكبير بينه وبين الشعر الشعبي، في الجزالة، في العلاقة بالمكان، في الأوزان، وفي الأغراض أيضا.
شدني شاعران ما زلت أحتفظ بديوانيهما منذ تلك الفترة؛ المعري وأبونواس.
وأعود الآن لتفحص سبب هذا الانشداد، وأفكر أن الخطاب لديهما كان مختلفاً عن الشعراء الآخرين.
الإخلاص للتجربة التأملية في الوجود والعدم والغربة، ونهب القصيدة من التحديق في العتمة عند المعري.
والإخلاص للتجربة الحياتية الحسية، والتهكم على الترسيمات السائدة، ومناطحة التابو، وروح التمرد الشعري، عند أبي نواس.
وبدأ يصيبني وسواس بأن الشعر الأصيل هو الذي ينتهك المسكوت عنه، ويحفر عميقا في ثيمات الوجود، ويُطوّح بأسئلة الذات في كل اتجاه.
أقول هذا الكلام الآن الذي بالتأكيد لم أكن أعيه في تلك الفترة، لكن سر الشغف مازال غامضاً، وهو الشغف نفسه الذي جعلني أحب شاعراً شعبيا مارقاً، وإن كان قليل الموهبة، مثل بوالتقازة.
وشاعراً حسياً مثل بوحليقة.
شاعران لم يكونا في قوة سبك عبدالسلام الحر، أوجمعة بوخبينة، أو أرميلة، لكن ما كان يسحرني هو استعاضتهم عن بلاغة اللغة ببلاغة الواقع، وعن جزالة المعجم بجزالة المغامرة الحسية.
وجميعهم قريبون من نفسي ولسبب لم يعد غامضاً.
.
ربما أكتشف الآن أن نزوعهم الفطري لتحديث القصيدة كان ينبع من أصالة التعبير عن ذواتهم، كما هي، لا كما تمليه الأنا العليا، وأدرك في الوقت نفسه أن الحداثة والأصالة شيء واحد.
.
النقلة الأخرى كانت مع تعرفي المبكر على كتب الشاعر نزار قباني الذي لم يخرج عن قالب وإيقاع القصيدة الكلاسيكية، لكنه خرج بجرأة عن قاموسها، وزحزح مفهوم المحاكاة السائد قبله، واستطاع بموهبته ترويض مفردات الحياة الحديثة للحدث الشعري، كما استطاع أن يؤجج مراهقة القصيدة بشكل يجعلها في كل زاوية من الشوارع، تتربص بالجمال الدارج، وبالعطر، وبإيقاع الكعوب النحيلة على الرخام.
.
حاصرني نزار داخل شبكته السحرية، وكان يشبع نهم مراهقتي الشعرية، ويمنحني كل شيء جاهزاً، وكانت قصائده تختصر لي مسافات الخجل بيني وبين تلك العشيقة القروية.
حاولت أن أقلد شعره وأستعير مغامراته الفارهة، وأن أكتب عن السرير الوثير في زمن لم أكن أعرف فيه السرير إطلاقاً، وأن أزرع في قصائدي المبكرة حديقة من زهور الأوركيدا والجاردينيا والزنبق، تلك الزهور التي لم أرها أو أشم عطرها.
.
وجدت نفسي أسير هذه الشبكة الحريرية، ولم يعجبني شعر السياب ولا البياتي ولا أدونيس ولا حجازي؛ فرسان ساحة الحداثة الشعرية في ذلك الوقت، رغم أن السياب كان يذكرني بالمعري، وكأنه فينيق نهض من رماد عتمته، إلا أن سحر المعري اكتفى بالمعري.
.
سمعت صدفة قصائد مسجلة على شريط كاسيت لمحمد الشلطامي، فامتلأت بخدر غريب يشبه ذاك الخدر الذي كانت تصيبني به مهاجاة أمي للرحي: (شعير في خشوم المزن… منام الرحى جايبلها) وكنت طيلة أماسي الخريف ألاحق المزن باحثاً عن سنابل الشعير في نواصيه.
يا للروعة مجاز مرسل ينفي كل العلاقات السببية، لو قيل في عصر الجاحظ أو قدامة أو ابن طباطبا لاستنكروه لأنه يمثل غلوا يفسد الشعر.
.
كان الشجن والإيقاع ما أثارني في قصائد الشلطامي، وكان اكتشافي لشاعر ليبي يقارع رموز الشعر العربي أول تمارين عودة الثقة بنفسي.
يقولون إن الشلطامي كان متأثرا بالبياتي، الذي حقيقة لم أمل إلى شعره حتى هذه اللحظة، لكن في قصيدة الشلطامي كنت أسمع رنين القصيدة الشعبية الساكنة وجداني، فكان بالنسبة لي شاعراً شعبياً كبيراً يكتب بالفصحى.
أي بمعنى آخر؛ يكتب الشعر المرسل وهو في ذروة إصغائه لذلك الصوت البدوي الطان في داخله كمزمار في خلاء أو كزنين جندب في قيظ الظهيرة، وعندما سمعت فيما بعد قصائده العامية ما عدت استغرب الأمر.
.
ومن جديد بدأت بدأب أتخلص من سحر نزار مع ولعي بقصيدة الشلطامي ومن ثم محمود درويش، الغنائي الكبير القادر على اللعب بسهولة في بطن ثور.
أقصد بطنَ تفعيلة الشعر العربي الذي ما برح ينفخ فيها من قريحته المتفجرة.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك