تونس- جدد الرئيس التونسي قيس سعيد دعوته الحكومة إلى وضع إصلاحات هيكلية شاملة للصناديق الاجتماعية التي تواجه عجزا ماليا متراكما منذ سنوات، في خطوة لتكريس دورها الاجتماعي الذي كانت تلعبه في السابق.
ويقدر الخبراء ديون الصناديق الاجتماعية بقرابة 5 مليارات دينار (1.
7 مليار دولار)، وسط دعوات ملحّة إلى ضرورة تدخل الدولة بمساعدة تلك الصناديق على تجاوز عجزها عبر إقراضها، فضلا عن تشجيع المبادرة الحرة وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص بإحداث صناديق جديدة.
كما دعا الخبراء إلى ضرورة عودة الصناديق الاجتماعية للعب دورها الاجتماعي من خلال الاستثمار وتقديم القروض لمنخرطيها كقروض السكن والبناء وشراء سيارة.
ولدى تونس ثلاثة كيانات، وهي الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (سي.
أن.
آر.
بي.
أس)، ويستهدف مساهمات القطاع العام، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (سي.
أن.
أس.
أس)، ويستهدف مساهمات القطاع الخاص، والصندوق الوطني للتأمين على المرض (كنام).
وقال الرئيس التونسي، في اجتماعه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، إن الصناديق الاجتماعية تواجه إرثا ثقيلا بسبب الفساد وسوء التصرف ما أدى إلى تدهور الخدمات.
وتابع، في بيان نشرته رئاسة الجمهورية، “الوضع الذي آلت إليه الصناديق الاجتماعية لم يعد مقبولا”.
ويحذر خبراء في تونس من مخاطر مالية تهدد التغطية الاجتماعية التي تشمل حوالي 42 في المئة من إجمالي السكان مقابل تغطية صحية عند 76 في المئة، وفق المعهد الوطني للإحصاء.
وقال قيس سعيد “كان من المفترض ألا تشكو هذه الصناديق من أي عجز، بل كان يمكن، على العكس من ذلك، أن تتحول إلى مصدر لتمويل ميزانية الدولة عند الاقتضاء”.
ولا تتوفر بيانات رسمية حديثة حول إجمالي عجز الصناديق الاجتماعية الثلاثة لكن تقارير إعلامية تشير إلى تقديرات بعجز يناهز 800 مليون دولار في صندوقين اثنين من بين الثلاثة عام 2024 بينما يعاني الصندوق الثالث، صندوق التأمين على المرض، من نقص في السيولة.
وأدت الأزمة المالية إلى نقص في التزود بنسبة كبيرة من أدوية الأمراض المزمنة وأمراض السرطان غير المتوفرة في الكثير من الصيدليات بجانب ديون متأخرة مستحقة للصيدلية المركزية فاقت 500 مليون دولار أميركي في عام 2025.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مشكلة الصناديق هيكلية بالأساس، فضلا عن سوء الحوكمة التي عمقتها الأزمات المختلفة في البلاد.
محمد صالح الجنّادي: يجب تخفيف الأعباء بإحداث صناديق أخرى حرّة.
وأفاد الخبير المالي والمصرفي، محمد صالح الجنادي، بأن ” كتلة الأجور سنة 2010 في تونس كانت في حدود 6.
8 مليار دينار واليوم أصبحت 23 مليار دينار، وفي سنة 2011 أضفنا حوالي 300 موظف جديد لشراء السلم الاجتماعية وهؤلاء دخلوا في إطار العفو التشريعي العام بأعمار متفاوتة مع السماح لهم بالخروج المبكّر والتمتع بالراتب كاملا، وهو ما سبب ضعفا للصناديق الاجتماعية”.
وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن “مخزون الموظّفين الذين أعمارهم بين 25 و60 سنة، أخذه من دخلوا في منظومة الصناديق بعد 2011، وبالتالي تم استنزاف الصناديق فدخلت في مرحلة عجز مالي يقدّر بـ4590 مليار دينار (1563 مليار دولار).
وبخصوص الحلول التي يمكن الاستنجاد بها لحلحلة أزمة الصناديق، قال الخبير المالي والمصرفي “لا بدّ من تخفيف الأعباء، مع إدخال عمليات التأمين وإحداث صناديق أخرى حرّة، أي الشراكة بين القطاعين العام والخاص”.
ولفت الجنادي أيضا إلى ضرورة “عودة الصناديق الاجتماعية إلى الاستثمار كما كانت تفعل في السابق، خصوصا الاستثمار في السيارات والمساكن الاجتماعية وقروض البناء لمنخرطيها، وذلك بتمويل من الدولة دون فائض”.
وتعتمد تونس في منظومة الضّمان الاجتماعي على النّظام التّوزيعي والمساهماتي، القائم أساسا على مبدأ التّكافل على مستوى التّمويل والخدمات، إذ ترتكز على مساهمات الأجراء والمؤجّرين بالأساس كمصدر تمويل بالإضافة إلى اليد العاملة التّونسية المقيمة في الخارج.
وبدأ إصلاح الصناديق الاجتماعية خلال عام 1994 حيث تم اعتماد إصلاحات سريعة عبر زيادة في الاشتراكات وإعادة النظر في الآليات والمعاشات وخلال العام التالي تمت مراجعة التشريعات التي تتعلق بالتقاعد المبكر وسنوات العمل في القطاع الخاص.
وتراكم العجز المالي بشكل مطرد نتيجة تقاعس الحكومات المتعاقبة في وضع خطط إصلاح واضحة لتلك الصناديق وذلك مع تزايد عدد المتقاعدين وتهرب أو عجز عدد من المؤسسات عن سداد مساهماتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك